قال ابن الاعرابي: كل شي حاجز بين شيئين مُوْبِقٌ، وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" مَوْبِقًا" قَالَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ مَوْبِقٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يُحْجَزُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ. عِكْرِمَةُ: هُوَ نَهَرٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ نَارًا عَلَى حَافَّتَيْهِ حَيَّاتٌ مِثْلُ الْبِغَالِ الدُّهْمِ فَإِذَا ثَارَتْ إِلَيْهِمْ لِتَأْخُذَهُمُ اسْتَغَاثُوا مِنْهَا بِالِاقْتِحَامِ فِي النَّارِ. وَرَوَى زَيْدُ «١» بْنُ دِرْهَمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:" مَوْبِقًا" (وَادٍ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ فِي جَهَنَّمَ). وَقَالَ عَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ: مَهْلِكًا فِي جَهَنَّمَ، وَمِنْهُ يُقَالُ: أَوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ إِيبَاقًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَوْعِدًا لِلْهَلَاكِ. الْجَوْهَرِيُّ: وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا هَلَكَ، وَالْمَوْبِقُ مِثْلُ الْمَوْعِدُ مَفْعِلٌ مِنْ وَعَدَ يَعِدُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا". وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى: وَبِقَ يَوْبَقُ وَبَقًا. وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ: وَبِقَ يَبِقُ بِالْكَسْرِ فِيهِمَا، وَأَوْبَقَهُ أَيْ أَهْلَكَهُ. وَقَالَ زُهَيْرٌ:
وَمَنْ يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّنَاءِ بِمَالِهِ ... يَصُنْ عِرْضَهُ مِنْ كُلِّ شَنْعَاءَ مُوبِقِ
قَالَ الْفَرَّاءُ: جَعَلَ تَوَاصُلَهُمْ فِي الدُّنْيَا مُهْلِكًا لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ) " رَأَى" أَصْلَهُ رَأَيَ، قُلِبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِانْفِتَاحِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَلِهَذَا زَعَمَ الْكُوفِيُّونَ أَنَّ" رَأَى" يُكْتَبُ بِالْيَاءِ، وَتَابَعَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ. فَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ الْحُذَّاقُ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ فَإِنَّهُمْ يكتبونه بالألف. قَالَ النَّحَّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ مَضَى وَرَمَى وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ إِلَّا بِالْأَلِفِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَبَيْنَ [ذَوَاتِ «٢»] الْوَاوِ فِي الْخَطِّ كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ، بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ، وَلَوْ وَجَبَ أَنْ يُكْتَبَ ذَوَاتُ الْيَاءِ بِالْيَاءِ لَوَجَبَ أَنْ يُكْتَبَ ذَوَاتُ الْوَاوِ بِالْوَاوِ، وَهُمْ مَعَ هَذَا يناقضون فيكتبون رمى بالياء رماه بِالْأَلِفِ، فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ أَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَجَبَ أَنْ يَكْتُبُوا رَمَاهُ بِالْيَاءِ، ثُمَّ يَكْتُبُونَ ضُحًا جَمْعُ ضَحْوَةٍ، وَكُسًا جَمْعُ كُسْوَةٍ، وَهُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ بِالْيَاءِ، وَهَذَا مَا لَا يَحْصُلُ وَلَا يَثْبُتُ عَلَى أَصْلٍ. (فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها) " فَظَنُّوا" هُنَا بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَالْعِلْمِ كَمَا قَالَ: «٣»
فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجِ
1 (١). في الأصول: يزيد وهو تحريف والتصويب عن (التهذيب). (٢). الزيادة من ك و(إعراب القرآن) للنحاس. (٣). هو دريد بن الصمة، وتمام البيت: سراتهم في الفارسي المسرد
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout