أَنَّ نَبْرَأَهَا، إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرً) وَهَذَا التَّقْدِيرُ - التَّابِعُ لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ - يَكُونُ فِي مَوَاضِعِ جُمْلَةٍ وَتَفْصِيلًا فَقَدْ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا شَاءَ، وَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الْجَنِينِ قَبْلَ خَلْقِ الرُّوحِ فِيهِ بَعَثَ إلَيْهِ مِلْكًًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ لَهُ: اُكْتُبْ رِزْقُهُ وَأَجَّلُهُ وَعَمَلَهُ وَشِقِيَ أُمْ سَعِيدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذَا التَّقْدِيرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلَاةُ الْقَدَرِيَّةِ قَدِيمًٌا وَمَنْكِرُوهُ الْيَوْمَ قَلِيلً.
(وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ) فَهِيَ مَشِيئَةُ اللَّهِ النَّافِذَةُ وَقُدَّرَتُهُ الشَّامِلَةُ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَرَكَةٍ وَلَا سُكُونٍ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. لَا يَكُونُ فِي مِلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ (١) وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، فَمَا مِنْ مَخْلُوقٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ إلَّا اللَّهُ خَالِقَهُ سُبْحَانَهُ لَا خَالِقَ غَيْرَهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةَ رُسْلِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ وَيَرْضَى عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، وَلَا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، وَلَا يَأْمُرُ بِالْفُحْشَاءِ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَلَا يُحِبُّ الْفَسَادُ (٢).
1 (١) الإرادة نوعان: إحداهما الإرادة الكونية المستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن والثانية الإرادة الدينية الشرعية وهذه لا تستلزم وقوع المراد إلا أن يتعلق بها النوع الأول من الإرادة، وفي أوائل فتح المجيد بحث مفيد في الفرق بين الإرادتين فليراجعه طالب التحقيق. (٢) اعلم أن الذي عليه الأئمة المحققون ودل عليه الكتاب والسنة، أن المشيئة والمحبة ليستا واحدًا ولا هما متلازمان، بل قد يشاء ما لا يحبه ويحب ما لا يشاء كونه فالأول: كمشيئته وجود إبليس وجنوده، ومشيئته العامة لجميع ما في الكون مع بغضه لبعضه، والثاني: كمحبته إيمان الكفار وطاعات الفجار وعدل الظالمين وتوبة الفاسقين. ولو شاء ذلك لوجد كله، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن اهـ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout