(٣٠٠٨) - ثم مَضَينًا حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَسْجِدِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلًا بِهِ. فَتَخْطِيَتُ الْقَوْمُ حَتَّى جَلَسْتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ. فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ! أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جُنُبِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا. وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقُوْسِهَا: أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلَكً، فَيُرَانِي كَيْفَ أَصْنَعُ، فَيَصْنَعُ مِثْلُهُ.
أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَسْجِدِنَا هَذَا. وَفِي يَدِهِ عَرْجُونَ ابْنُ طَابٍ. فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ " قَالَ فَخَشَعْنَا. ثُمَّ قَالَ "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ " قَالَ فَخَشَعْنَا. ثُمَّ قَالَ "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ " قُلْنَا: لَاَ أَيْنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ "فَإِنَّ أَحَدُكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبْلَ وَجْهِهِ. فَلَا يَبْصِقْنَّ قَبْلَ وَجْهِهِ. وَلَاَ عَنْ يَمِينِهِ. وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى. فَإِنْ عَجَّلَتْ بِهِ بَادِرَةً
⦗٢٣٠٤⦘
فليقل بثوبه هكذَا" ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ "أُرُونِي عُبَيْرًا" فَقَامَ فَتَّى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ. فَجَاءَ بِخُلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ. فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعَرْجُونِ. ثُمَّ لَطِخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ.
فَقَالَ جَابِرٌ: فَمَنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمْ الْخُلُوقَ فِي مَسَاجِدِكِمَ.
(مشتملا به) أَيْ مُلْتَحِفًا. اشْتِمَالًا لَيْسَ بِاشْتِمَالِ الصَّمَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. (يَدْخُلُ عَلَيَّ الأَحْمَقُ مِثْلَكَ) الْمُرَادُ بِالأَحْمَقِ، هُنَا، الْجَاهِلُ. وَحَقِيقَةُ الْأَحْمَقِ مَنْ يَعْمَلُ مَا يَضُرُّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِقُبْحِهِ. (عَرْجُونَ) هُوَ الْغَصْنُ. (ابْنُ طَاب) نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ. (فَخَشَعْنَا) كَذَا رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ: فَخَشَعْنَا. وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ فَجَشَعْنَا. وَكِلاَهُمَا صَحِيحٌ. وَالْأَوَّلُ مِنْ الْخُشُوعِ وَهُوَ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ وَالسُّكُونُ. وَأَيْضًا غَضُّ الْبَصَرِ. وَأَيْضًا الْخَوْفُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْنَاهُ الْفَزْعُ. (قَبِلَ وَجْهَهُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: تَأْوِيلُهُ أَيْ الْجِهَةِ الَّتِي عَظَّمَهَا أَوْ الْكَعْبَةَ الَّتِي عَظَّمَهَا قَبْلَ وَجْهِهِ. (فَإِنْ عَجَّلَتْ بِهِ بَادِرَةً) أَيْ غَلَبَتُهُ بِصِقَةٍ أَوْ نَخَامَةٍ بَدَرَتْ مِنْهُ. (أُرُونِي عَبَيْرًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعَبَيْرُ، عِنْدَ الْعَرَبِ، هُوَ الزَّعْفَرَانُ وَحْدَهُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ أَخْلَاطٌ مِنَ الطِّيبِ تُجْمَعُ بِالزَّعْفَرَانِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلَاَ أَرَى الْقَوْلَ إِلَّاَّ مَا قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ. (يَشْتَدُّ) أَيْ يَسْعَى وَيَعْدُو عَدُوًّا شَدِيدًا. (بِخُلُوقٍ) هُوَ طِيبٌ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ يَجْمَعُ بِالزَّعْفَرَانِ، وَهُوَ الْعَبِيرُ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَصْمَعِيِّ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. فَإِنَّهُ أَمَرٌ بِإِحْضَارِ عُبَيْرٍ فَأَحْضَرَ خُلُوقًا. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ هُوَ، لَمْ يَكُنْ مُمْتَثَلًا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout