١١٠ - (٢٩٣٧) حدثنا أَبُو خَيْثَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حدَّثنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ، قَاضِي حِمْصَ. حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، جُبَيْرُ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيِّ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن يَزِيدِ بْنُ جَابِرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيُّ،
⦗٢٢٥١⦘
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن أَبِيه، جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ:
ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الدَّجَّالُ ذَاتُ غَدَاةً. فَخَفَضَ فِيهِ وَرَفْعَ. حَتَّى ظَنَّنَاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ. فَلَمَّا رَحْنَا إِلَيْهِ عُرَفَ ذَلِكَ فِينَا. فَقَالَ "مَا شَأْنُكُمْ؟ " قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَكَرْتُ الدَّجَّالَ غَدَاةً. فَخَفَضَتُ فِيهِ وَرَفَعَتَ. حَتَّى ظَنَّنَاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ. فَقَالَ "غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخُوفَنِي عَلَيْكُمْ. إِنْ يَخْرُجَ، وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ. وَإِنْ يَخْرُجَ، وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤْ حَجِيجَ نَفْسِهِ. وَاَللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسَلِمٍ.
⦗٢٢٥٢⦘
إنه شاب قطط. عَيْنُهُ طَافِئَةُ. كَأَنِّي أَشْبَهَهُ بِعَبْدِ الْعُِزَّى بْن قُطن. فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحُ سُورَةِ الْكَهْفِ. إِنَّهُ خَارِجٌ خُلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ. فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا. يَا عِبَادَ اللَّهِ! فَاثْبُتُوا" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا لَبَثَهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ "أَرْبَعُونَ يَوْمًا. يَوْمَ كَسَنَةٍ. وَيَوْمٍ كَشَهْرٍ. وَيَوْمٍ كَجُمُعَةٍ. وَسَائِرِ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي كَسَنَةً، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةَ يَوْمٍ؟ قَالَ "لا. اقْدِرُوا لَهُ قَدْرَهُ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ "كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرْتهُ الرِّيحَ. فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ. فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتَمَطَّرُ. وَالأَرْضُ فَتَنْبَتُ. فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ، أَطْوَلُ مَا كَانَتْ ذَرًّا، وَأَسْبَغَهُ ضَرُوعًا، وَأَمَدُهُ خُوَاصِرَ. ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ. فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ. فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ. فَيَصْبِحُونَ مُمَحَلِينَ
⦗٢٢٥٣⦘
ليس بأَيْدِيهمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَمُرُّ بِالْخُرْبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرَجِي كَنُوزِك. فَتَتَبِعُهُ كَنُوزِهَا كَيُعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا. فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمِيَةَ الْغَرَضِ ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبَلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهَهُ. يَضْحَك. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنُ مَرْيَمَ. فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيْ دِمَشْقً. بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ. وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنَحَةِ مِلْكِيْنِ. إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قِطَر. وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَرَ مِنْهُ جَمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ. فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحُ نَفْسِهِ إِلَّا مَاتَ. وَنَفْسَهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرَفُهُ. فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابٍ لَدٍ. فَيَقْتُلُهُ. ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ. فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لاَ يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ. فَحَرَزَ عَبَادِيٌّ إِلَى الطُّورِ.
⦗٢٢٥٤⦘
ويبعث الله يَأجُوج ومَأْجُوجٌ. وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. فَيَمُرُّ أَوَائِلَهُمْ عَلَى بِحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ. فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا. وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ، مَرَّةً، مَاءً. وَيَحْصُرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ. حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ. فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ. فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغْفُ فِي رِقَابِهِمَ. فَيَصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ. فَلَا يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّاَّ مَلْأَهُ زَهْمَهُمْ وَنَتْنُهُمْ. فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ. فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ. فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهَ مَطَرًا لَا يَكُنْ مِنْهُ بَيْتٌ مَدْرٍ وَلَا وَبَرٍّ. فَيَغْسِلُ الْأَرْضُ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزُّلْفَةِ. ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبَتِي ثَمَرَك، وَرَدِيَ بَرَكْتُكَ. فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةِ مِنَ الرُّمَانَةِ.
⦗٢٢٥٥⦘
ويستَظلون بقَحْفَهَا. وَيُبَارِكُ فِي الرُّسُلِ. حَتَّى أَنَّ اللُّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لِتَكْفِي الْفَئَامِ مِنَ النَّاسِ. وَاللُّقْحَةِ مِنَ الْبَقَرِ لِتَكْفِي الْقَبِيلَةِ مِنَ النَّاسِ. وَاللُّقْحَةِ مِنَ الْغَنَمِ لِتَكْفِي الْفَخِذِ مِنَ النَّاسِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً. فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ. فَتَقْبَضُ رُوحُ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلُّ مُسْلِمٍ. وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجُ الْحُمْرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةَ".
(فخفض فيه ورفع) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ فِيهِمَا. وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ خَفْضَ بِمَعْنَى حَقَرٍ. وَقَوْلُهُ رَفِعَ أَيْ عَظْمُهُ وَفَخْمَهُ. فَمِنْ تَحْقِيرِهِ وَهَوَانُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَوْرَهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ" وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ إِلَّاَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ، ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَضْمَحِلُ أَمْرَهُ، وَيُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ، هُوَ وَأَتْبَاعُهُ. وَمِنْ تَفْخِيمِهِ وَتَعْظِيمِ فِتْنَتِهِ وَالْمَحْنَةُ بِهِ هَذِهِ الْأُمُورُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَةِ، وَأَنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ خَفَضَ مِنْ صَوْتِهِ فِي حَالِ الْكَثْرَةِ فِيمَا تَكَلَّمَ فِيهِ. فَخَفَضَ بَعْدَ طُولِ الْكَلَامِ وَالتَّعَبِ لِيَسْتَرِيحَ، ثُمَّ رَفَعَ لِيَبْلُغَ صَوْتَهُ كُلُّ أَحَدٍ بِلَاغًا كَامِلًا مُفْخِمًا. (غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخُوفَنِي عَلَيْكُمْ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخٍ بِلاَدِنَا: أَخُوفَنِي، بَنُونَ بَعْدِ الْفَاءِ. وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِحَذْفِ النُّونِ، وَهُمَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، ابْنُ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَى الْكَلَامِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ. فَأَمَّا لَفْظُهُ فَلِكَوْنِهِ تَضَمَنُ مَا لَا يُعْتَادُ مِنْ إضَافَةِ أَخْوَفَ إلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، مَقْرُونَةٌ بَنُونِ الْوِقَايَةِ، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ. وَالْجَوَابِ: إِنَّهُ كَانَ الْأَصْلُ إثْبَاتُهَا. وَلَكِنَّهُ أَصْلٌ مَتْرُوكً. فَنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي قَلِيلٍ مِنْ كَلَاَمِهِمْ. وَأَنْشَدَ فِيهِ أَبْيَاتًا. مِنْهَا مَا أَنْشَدَهُ الْفِرَاءُ:
فَمَا أَدْرِي فَظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ * أَمْسَلِمْنِي إِلَى قَوْمِي شَرَاحِيِّ
يَعْنِي شَرَاحِيلَ. فَرَخِمَهُ فِي غَيْرِ النِّدَاءِ. لِلضَّرُورَةِ. وَأَنْشَدَ غَيْرَهُ:
وَلَيْسَ الْمَوَافِينِيُّ لِيَرْفُدَ خَائِبًا * فَإِنَّ لَهُ أَضْعَافُ مَا كَانَ أَمْلًا
وَلِأَفْعَلِ التَّفْضِيلَ، أَيْضًا، شَبَهَ بِالْفِعْلِ. خُصُوصًا بِفِعْلِ التَّعَجُّبِ. فَجَازَ أَنَّ تَلْحَقَهُ النُّونَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ، كَمَا لَحِقَتْ فِي الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةِ. هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ النُّونِ هُنَا.
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَفِيهِ أَوْجُهُ: أَظْهَرُهَا أَنَّهُ مِنْ أَفْعَلِ التَّفْضِيلَ، وَتَقْدِيرُهُ: غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ مَخُوفَاتِيٌّ عَلَيْكُمْ. ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافُ إِلَى الْيَاءِ. وَمِنْهُ: أَخْوَفُ مَا أَخَافَ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةِ الْمَضْلُونَ. مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي أَخَافَهَا عَلَى أُمَّتِي أَحَقُّهَا بِأَنْ تُخَافَ الْأَئِمَّةُ الْمَضْلُونَ. الثَّانِي أَنْ يَكُونَ أَخْوَفُ مَنْ أَخَافَ بِمَعْنَى خَوْفٍ. وَمَعْنَاهُ غَيْرُ الدَّجَّالِ أَشَدُّ مُوجِبَاتٌ خَوْفِيٌّ عَلَيْكُمْ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ وَصْفِ الْمَعَانِي بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْأَعْيَانُ، عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ. كَقَوْلِهِمْ فِي الشَّعْرِ الْفَصِيحِ: شَعْرٌ شَاعِرٌ. وَخَوْفَ فُلَانٍ أَخْوَفُ مِنْ خَوْفِكَ. وَتَقْدِيرُهُ خَوْفُ غَيْرِ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ خَوْفِيٌّ عَلَيْكُمْ. ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافُ الْأَوَّلَ ثُمَّ الثَّانِي. هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ. (قِطْط) أَيْ شَدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعْرِ، مُبَاعِدٌ لِلْجُعُودَةِ الْمَحْبُوبَةِ. (إنَّهُ خَارِجٌ خُلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخٍ بِلَادِنَا: خُلَّةً. وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَشْهُورُ فِيهِ خُلَّةً. قِيلَ: مَعْنَاهُ سَمَّتْ ذَلِكَ وَقِبَالَتُهُ. وَفِي كِتَابِ الْعَيْنَ: الْخَلَّةُ مَوْضِعٌ حُزْنٍ وَصُخُورٍ. قَالَ: وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ. هَذَا آخِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ الْهَرَوِيِّ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ بِبِلَادِنَا، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ، وَفَسَّرَهُ بِالطَّرِيقِ بَيْنَهُمَا. (فِعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا) الْعَيْثُ الْفَسَادَ، أَوْ أَشَدُّ الْفَسَادَ وَالْإِسْرَاعَ فِيهِ. وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّهُ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ: فَعَاثَ، اسْمٌ فَاعِلٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ. (اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ) قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: هَذَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ الْيَوْمَ، شَرْعُهُ لَنَا صَاحِبُ الشَّرْعِ. قَالُوا: وَلَوْلَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَوَكَّلْنَا إلَى اجْتِهَادِنَا، لَاقْتَصَرْنَا فِيهِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخُمُسِ عِنْدَ الْأَوْقَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ. وَمَعْنَى اقْدِرُوا لَهُ قَدْرُهُ، أَنَّهُ إذَا مَضَى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظُّهْرِ كُلَّ يَوْمٍ، فَصَلُّوا الظُّهْرَ. ثُمَّ إذَا مَضَى بَعْدَهُ قَدْرَ مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ. فَصَلُّوْا الْعَصْرَ. وَإِذَا مَضَى بَعْدَ هَذَا قَدْرَ مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ، فَصَلُّوْا الْمَغْرِبَ. وَكَذَا الْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ ثُمَّ الظُّهْرُ ثُمَّ الْعَصْرُ ثُمَّ الْمَغْرِبُ. وَهَكَذَا حَتَّى يَنْقَضِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ صَلَوَاتٌ سَنَةً، فَرَائِضٌ كُلِّهَا، مُؤَدَّاةٌ فِي وَقْتِهَا. أَمَّا الثَّانِي الَّذِي كَشَهْرٍ وَالثَّالِثُ الَّذِي كَجُمُعَةٍ فَقِيَاسُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقَدِرَ لَهُمَا كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. (فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلُ مَا كَانَتْ ذَرًّا الْخ) أَمَّا تَرُوحُ فَمَعْنَاهُ تَرْجِعُ آخِرَ النَّهَارِ. وَالسَّارِحَةِ هِيَ الْمَاشِيَةُ الَّتِي تَسْرَحُ، أَيْ تَذْهَبُ أَوَّلَ النَّهَارِ إلَى الْمَرْعَى. وَالذُّرَا الْأَعَالِيِّ وَالْأَسْنِمَةِ جَمْعُ ذُرْوَةً، بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ. وَأَسْبَغَهُ أَيْ أَطْوَلُهُ لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَكَذَا أَمَدُهُ خُوَاصِرَ، لِكَثْرَةِ امْتِلَائِهَا مِنْ الشِّبَعِ. (فَيَصْبِحُونَ مُمْحَلِينَ) قَالَ الْقَاضِي: أَيْ أَصَابَهُمْ الْمَحَلَّ، مِنْ قِلَّةِ الْمَطَرَ، وَيَبِسُّ الْأَرْضُ مِنْ الْكَلَأَ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمُحَلَّ، عَلَى وَزْنٍ فَحْلَّ، الْجَدْبِ وَالْقَحْطَ. وَالْإِمْحَالُ كَوْنُ الْأَرْضِ ذَاتَ جَدْبٍ وَقَحْطَ. يُقَالُ أَمْحَلُ الْبَلَدِ إذَا أَجْدَبَ. (كَيُعَاسِيبُ النَّحْلِ) هِيَ ذُكُورُ النَّحْلِ. هَكَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ. قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ جَمَاعَةُ النَّحْلِ، لَا ذُكُورُهَا خَاصَّةً. لَكِنَّهُ كَنَّى عَنْ الْجَمَاعَةِ بِالْيَعْسُوبِ، وَهُوَ أَمِيرُهَا. (فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمِيَّةَ الْغَرَضِ) الْجُزْلَةَ، بِالْفَتْحِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَحَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ كَسْرَهَا، أَيْ قِطْعَتَيْنِ. وَمَعْنَى رَمْيَةِ الْغَرَضِ أَنَّهُ يُجْعَلُ بَيْنَ الْجُزْلَتَيْنِ مِقْدَارَ رَمْيَةً. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمَشْهُورُ. وَحَكَى الْقَاضِي هَذَا ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا. وَتَقْدِيرُهُ: فَيُصِيبُ إصَابَةَ رَمْيَةِ الْغَرَضِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلَ.
(فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءُ شَرْقِيٌّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ) هَذِهِ الْمَنَارَةُ مَوْجُودَةُ الْيَوْمِ شَرْقِيْ دِمَشْقٌ. وَالْمَهْرُودَتَانِ رُوِيَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَالْمُهْمَلَةُ أَكْثَرُ. وَالْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ وَغَيْرِهِمْ. وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ فِي النُّسَخِ بِالْمُهْمَلَةِ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَمَعْنَاهُ لَابِسٌ مَهْرُودَتَيْنِ أَيْ ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ بِوَرَسٍ ثُمَّ بِزَعْفَرَانَ وَقِيلَ: هُمَا شُقْتَانِ، وَالشِّقَّةُ نِصْفُ الْمُلَاءَةِ. (تَحَدَّرُ مِنْهُ جَمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ) الْجَمَانُ حَبَّاتٌ مِنْ الْفِضَّةِ تُصْنَعُ عَلَى هَيْئَةِ اللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ. وَالْمُرَادُ يَتَحَدَّرُ مِنْهُ الْمَاءُ عَلَى هَيْئَةِ اللُّؤْلُؤِ فِي صِفَائِهِ. فَسُمِّيَ الْمَاءُ جَمَانًا لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الصَّفَاءِ وَالْحَسَنَ. (فَلَا يَحِلُّ) مَعْنًى لَا يَحِلُّ، لَا يُمْكِنُ وَلَا يَقَعُ. وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ، عِنْدِي، حَقٌّ وَاجِبٌ. (بِبَابِ لَدٍّ) مَصْرُوفٍ. بَلْدَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. (فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمَ) قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الْمَسْحَ حَقِيقَةً عَلَى ظَاهِرِهِ. فَيَمْسَحُ عَلَى وُجُوهِهِمْ تَبَرُّكًا وَبُرًّا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى كَشْفِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الشِّدَّةِ وَالْخَوْفِ. (لَا يَدَانُ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ) يَدَانِ تَثْنِيَةً يَدَ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ لَا قُدْرَةَ وَلَا طَاقَةً. يُقَالُ: مَا لِي بِهَذَا الْأَمْرِ يَدً، وَمَا لِي بِهِ يَدَانِ. لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ وَالدَّفْعَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْيَدِ. وَكَأَنَّهُ يَدَيْهِ مَعْدُومَتَانِ لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ. (فَحَرَزَ عِبَادِي إلَى الطُّورِ) أَيْ ضَمِّهُمْ وَاجْعَلْهُ لَهُمْ حِرْزًا. يُقَالُ: أَحْرَزْت الشَّيْءَ أَحْرَزَهُ إحْرَازًا إذَا حَفَظَتْهُ وَضَمَّمْتُهُ إلَيْكَ، وَصَنَتُهُ عَنْ الْأَخْذِ. (وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يُنْسِلُونَ) الْحَدَبَ النَّشْزَ. قَالَ الْفِرَاءُ: مِنْ كُلِّ أَكْمَةٍ، مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعً. وَيُنْسِلُونَ يَمْشُونَ مُسْرِعِينَ. (فَيَرْغَبُ نَبِيَّ اللَّهِ) أَيْ إلَى اللَّهِ. أَوْ يَدْعُو. (النَّغْفَ) هُوَ دُودٌ يَكُونُ فِي أُنُوفِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ. الْوَاحِدَةِ نَغْفَةً. (فَرْسَى) أَيْ قَتْلَى. وَاحِدُهُمْ فَرِيسٌ. كَقَتِيلٍ وَقَتْلَى. (زهَمِهُمْ) أَيْ دَسْمَهُمْ. (الْبُخْتِ) قَالَ فِي اللِّسَانِ: الْبِخْتُ وَالْبُخْتِيَّةُ دَخِيلٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ. أَعْجَمِي مُعَرَّبٌ. وَهِيَ الْإِبِلُ الْخُرَاسَانِيَّةُ، تَنْتِجُ مِنْ عَرَبِيَّةٍ وَفَالِج، وَهِيَ جَمَالُ طِوَالِ الْأَعْنَاقِ. (لا يَكُن) أَيْ لَا يَمْنَعُ مِنْ نُزُولِ الْمَاءَ. (مُدَرً) هُوَ الطِّينُ الصُّلْبُ. (كَالزُّلْفَةِ) رَوَى: الزُّلْقَةُ. وَرُوَى: الزُّلْفَةُ. وَرُوَى. الزُّلْفَةُ. قَالَ الْقَاضِي: وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ. فَقَالَ ثَعْلَبٌ وَأَبُو زَيْدٍ وَآخَرُونَ: مَعْنَاهُ كَالْمِرْآةِ. وَحَكَى صَاحِبُ الْمَشَارِقِ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا. شَبَهَهَا بِالْمِرْآةِ فِي صِفَائِهَا وَنَظَافَتِهَا. وَقِيلَ: كَمَصَانِعِ الْمَاءَ. أَيْ أَنَّ الْمَاءَ يَسْتَنْقِعُ فِيهَا حَتَّى تَصِيرَ كَالْمُصَنَعِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ كَالْإِجَانَةِ الْخَضْرَاءَ. وَقِيلَ: كَالصَّفْحَةِ. وَقِيلَ. كَالرَّوْضَةِ. (الْعِصَابَةِ) هِيَ الْجَمَاعَةُ. (بِقَحْفِهَا) بِكَسْرِ الْقَافِ، هُوَ مُقْعَرٌ قِشْرِهَا. شِبْهَهَا بِقَحْفِ الرَّأْسِ، وَهُوَ الَّذِي فَوْقَ الدِّمَاغِ، وَقِيلَ: مَا انْفَلَقَ مِنْ جُمْجَمَتِهِ وَانْفَصَلَ. (الرُّسل) هُوَ اللَّبَنُ. (اللُّقْحَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ. الْكَسْرُ أَشْهَرٌ. وَهِيَ الْقَرِيبَةُ الْعَهْدُ بِالْوِلَادَةِ، وَجَمْعُهَا لَقْحٌ كَبَرَكَةٍ وَبَرْكَ. وَاللُّقُوحُ ذَاتُ اللَّبَنِ. وَجَمْعُهَا لِقَاحٍ. (الْفِئَامِ) هِيَ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ وَكَتَبَ الْغَرِيبِ. (الْفَخِذِ مِنْ النَّاسِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْفَخِذُ الْجَمَاعَةُ مِنْ الْأَقَارِبِ. وَهُمْ دُونَ الْبَطْنِ. وَالْبَطْنُ دُونَ الْقَبِيلَةِ. قَالَ الْقَاضِي. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْفَخِذُ، هُنَا، بِإِسْكَانِ الْخَاءِ لَا غَيْرَ. فَلَا يُقَالُ إلَّا بِإِسْكَانِهَا. بِخِلَافِ الْفَخِذِ، الَّتِي هِيَ الْعُضْوُ، فَإِنَّهَا تَكْسَّرُ وَتُسْكُنَ. (وَكُلُّ مُسْلِمٍ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخٍ مُسْلِمٍ: وَكُلُّ مُسْلِمٍ، بِالْوَاوِ. (يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجُ الْحُمْرَ) أَيْ يُجَامِعُ الرِّجَالَ النِّسَاءَ عَلَانِيَّةً بِحَضْرَةِ النَّاسِ، كَمَا يَفْعَلُ الْحَمِيرَ، وَلَا يَكْتَرِثُونَ لِذَلِكَ. وَالْهَرَجَ، بِإِسْكَانِ الرَّاءِ، الْجِمَاعَ. يُقَالُ: هَرَجَ زَوْجَتُهُ، أَيْ جَامِعُهَا، يَهْرِجُهَا، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout