٧١ - (٢٨١٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ "لن يُنَجِي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَمَلَهُ" قَالَ رَجُلٌ: وَلاَ إِيَّاكَ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ "وَلاَ إِيَايَ. إِلَّاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ. وَلَكِنْ سَدُدُوَا".
(لن يُنَجِّي أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلَهُ) اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السَّنَةِ؛ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْعَقْلِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابَ وَلَا إِيجَابٍ وَلَا تَحْرِيمَ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّكْلِيفِ. وَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ كُلُّهَا وَلَا غَيْرَهَا، إِلَّا بِالشَّرْعِ. وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَةِ أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شِئ. تَعَالَى اللَّهَ. بَلْ الْعَالِمُ مِلْكَهُ. وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ فِي سُلْطَانِهِ، يَفْعَلُ فِيهِمَا مَا يَشَاءُ. فَلَوْ عَذَّبَ الْمُطِيعِينَ وَالصَّالِحِينَ أَجْمَعِينَ وَأَدْخَلَهُمْ النَّارَ كَانَ عَدْلًا مِنْهُ. وَإِذَا أَكْرَمَهُمْ وَنِعَمَهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ فَهُوَ فَضْلٌ مِنْهُ. وَلَوْ نَعَمَ الْكَافِرِينَ وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ. وَلَكِنَّهُ أَخْبَرُ، وَخَبَرُهُ صُدْقَ، أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ هَذَا، بَلْ يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَدْخُلُهُمْ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ. وَيُعَذَّبُ الْكَافِرِينَ وَيُخْلِدُهُمْ فِي النَّارِ، عَدْلًا مِنْهُ. وَفِي ظَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدُ الثَّوَابِ وَالْجَنَّةِ بِطَاعَتِهِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَتِلْكَ الْجَنَّةَ الَّتِي أَوْرَثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وَنَحْوَهَا مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ يَدْخُلُ بِهَا الْجَنَّةَ. فَلَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ. بَلْ مَعْنَى الْآيَاتِ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ. ثُمَّ التَّوْفِيقُ لِلْأَعْمَالِ، وَالْهِدَايَةِ لِلْإِخْلَاصِ فِيهَا وَقَبُولُهَا، بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهُ. فَيَصِحُّ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ. وَهُوَ مُرَادُ الْأَحَادِيثِ. وَيَصِحُّ أَنَّهُ دَخَلَ بِالْأَعْمَالِ. أَيْ بِسَبَبِهَا، وَهِيَ مِنْ الرَّحْمَةِ. (يَتَغَمَّدُنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ) أَيْ يُلْبِسْنِيهَا وَيَغْمِدُنِي بِهَا. وَمِنْهُ: أَغْمَدَتْ السَّيْفَ وَغَمْدَتُهُ، إِذَا جَعَلْتهُ فِي غَمْدِهِ وَسَتْرَتِهِ بِهِ. (سَدِّدُوا) اطْلُبُوا السَّدَّادَ وَاعْمَلُوا بِهِ. وَالسَّدَادُ الصَّوَابُ. وَهُوَ مَا بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَلَا تَغْلُوا وَلَاَ تُقْصِرُوا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout