بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَ.
(اللقطة) اللقطة فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي قَالَهَا الْجُمْهُورُ. وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: اللُّقَطَةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُحَدِّثِينَ. وَقَالَ عِيَاضٌ: لا يَجُوزُ غَيْرُهُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: اللُّقَطَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْعَامَّةِ تَسْكُنُهَا. كَذَا قَالَ. وَقَدْ جَزَمَ الْخَلِيلُ بِأَنَّهَا بِالسُّكُونِ. وَقَالَ الأَزْهَرِيُّ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْقِيَاسُ. وَلَكِنَّ الَّذِي سَمِعَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثَ وَالْحَدِيثُ الْفَتْحَ. وَذَكَرَ مِثْلَهُ الْقُسْطَلانِيُّ. هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لاَ مُحِيدَ عَنْهُ. وَمَا سِوَاهُ فَخَطَأً فَاحِشٌ أَوْقَعَ الْمُخْطِئُ فِيهِ عَدَمُ تَمْيِيزِهِ بَيْنَ مَا جَاءَ عَلَى وَزْنِ فِعْلَةٍ مِنْ النُّعُوتِ وَمَا جَاءَ عَلَى وَزْنِهَا مِنَ الأَسْمَاءِ.
وَمِنْ هَؤُلَاَءِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ ثُمَّ اللَّيْثُ ثُمَّ صَاحِبُ الْمَقَايِيسِ أَوْ الْأُسْتَاذِ عَبْدَ السَّلَامِ هَارُونَ الَّذِي وَقَفَ عَلَى طَبْعِهِ وَتَصْحِيحُهِ ثُمَّ الْأُسْتَاذُ عَبْدُ السَّلَامِ هَارُونَ صَاحِبُ التَّعْلِيقَةِ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي صَفْحَةٍ ٤٦٤ مِنْ تَهْذِيبِ الصِّحَاحِ ثُمَّ أَخِيرًا الأُسْتَاذَ مَحْمُودٌ مُحَمَّدٌ شَاكِرٌ الَّذِي مَارَانِيٌّ وَتَمَسَّكُ بِقَوْلِ اللَّيْثِ فِي اللِّسَانِ بَيْنَمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الْأَزْهَرِيُّ حَيْثُ قَالَ: الْفُصَحَاءُ عَلَى غَيْرِ مَا قَالَ اللَّيْثُ. رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ وَالْأَحْمَرِ قَالَا: هِيَ اللُّقَطَةُ، وَالْقَصْعَةُ وَالنَّفَقَةُ مُثَقَّلَاتٌ كُلُّهَا. وَهَذَا قَوْلُ حِذَّاقِ النَّحْوِيِّيْنَ. وَلَمْ أَسْمَعْ اللُّقَطَةَ لِغَيْرِ اللَّيْثِ. وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ عَبْدُ السَّلَامِ هَارُونَ فِي هَذِهِ التَّعْلِيقَةِ، مَا جَاءَ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ الْمَنْسُوبِ إلَى ثَعْلَبٍ لِمُؤَلِّفِهِ ابْنُ دُرَسْتُوَيْهِ قَالَ: اللُّقَطَةُ عَلَى وَزْنِ فِعْلَةٍ، بِفَتْحِ الثَّانِي وَالْعَامَّةِ تَسْكُنُهُ. وَأَمَّا الْخَلِيلُ فَذَكَرَ أَنَّ اللُّقَطَةَ سَاكِنَةَ الْقَافِ. وَالْقِيَاسُ مَا قَالَ الْخَلِيلُ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَمَا اخْتَارَهُ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ خَطَأً. ا هـ كَلَامُ ابْنِ دُرَسْتُوَيْهِ وَابْنُ دُرَسْتُوَيْهِ خَطَأَ الصَّوَابِ وَهُوَ قَالَهُ ثَعْلَبُ، وَصَوَّبُ الْخَطَأِ وَهُوَ مَا قَالَهُ الْخَلِيلُ. وَاَلَّذِي أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ عَدَمُ تَمْيِيزِهِ بَيْنَ مَا جَاءَ عَلَى وَزْنِ فِعْلَةٍ نَعْتًا. وَبَيْنَ مَا جَاءَ عَلَى وَزْنِهَا اسْمُهَا.
وَقَدْ جَاءَ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ؛ تَحْتَ بَابِ مَا جَاءَ مُحَرَّكًا وَالْعَامَّةُ تَسْكُنُهُ: قَالَ: أَتْحَفْتُهُ تُحْفَةً، وَأَصَابَتْهُ تَخْمَةً. وَهِيَ اللُّقَطَةُ، لِمَا يَلْتَقِطُ. وَقَالَ فِي الِاقْتِضَابِ: كَذَا حَكَى غَيْرُ ابْنِ قُتَيْبَةَ. وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الْعَيْنَ: اللُّقَطَةَ بِسُكُونِ الْقَافِ اسْمٌ لِمَا يَلْتَقِطُ. وَاللُّقَطَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ الْمُلْتَقِطِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَإِنْ صَحَّ الْأَوَّلُ فَهُوَ نَادِرٌ. لِأَنَّ فِعْلَةً بِسُكُونِ الْعَيْنِ مِنْ صِفَاتِ الْمَفْعُولِ، وَبِتَحْرِيكِ الْعَيْنِ، مِنْ صِفَاتِ الْفَاعِلِ.
وَأَقُولُ أَنَا: إنَّ صَاحِبَ الِاقْتِضَابِ قَدْ خَلِطَ بَيْنَ مَا هُوَ اسْمٌ عَلَى وَزْنِ فِعْلَةٍ وَبَيْنَ مَا هُوَ نَعْتٌ عَلَى وَزْنِهَا. كَمَا خَلَطَ إخْوَانٌ لَهُ مِنْ قِبْلَ. أَمَّا الْجَوَالِيقِيُّ فَلَمْ يَعْقُبْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَاهُ إقْرَارُهُ لِمَا قَالَهُ صَاحِبُ أَدَبِ الْكَاتِبِ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي الْجُمْهَرَةِ (ج ٣ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ١١٣) واللقطةُ، الَّتِي تُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ اللُّقَطَةُ - مَعْرُوفَةً. وَهُوَ مَا الْتَقَطَهُ الْإِنْسَانُ فَاحْتَاجَ إلَى تَعْرِيفِهِ.
هَذِهِ النُّقُولِ الَّتِي ذَكَرْتهَا عَلَى طُولِهَا، لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْنَا جَهِلَهُ قَدْ أَخْطَأَ فِيهَا وَتَمَادَى فِي الْخَطَأِ حَتَّى اعْتَقَدَ أَنَّ خَطَأَهُ هُوَ الصَّوَابُ وَأَنَّ صَوَابَ غَيْرِهِ هُوَ الْخَطَأُ. وَلِلَّهِ فِي خَلْقِهِ شُؤُونٌ.
وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ التَّعْلِيمِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مَا عَقَدَ لَهُ ابْنُ السُّكِّيتِ فِي كِتَابِهِ (إصْلَاحِ الْمَنْطِقِ) بَاب فِعْلَةٍ. قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَا جَاءَ عَلَى فِعْلَةٍ، بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ النُّعُوتِ فَهُوَ تَأْوِيلٌ فَاعِلٍ وَمَا جَاءَ عَلَى فِعْلَةٍ سَاكِنَةِ الْعَيْنِ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَفْعُولٍ بِهِ. تَقُولُ: هَذَا رَجُلٌ ضَحْكَةً كَثِيرِ الضَّحْكِ. وَلَعْبَةِ كَثِيرِ اللَّعِبِ. وَلَعْنَةٍ كَثِيرِ اللَّعْنِ لِلنَّاسِ. الْخ. وَفَاتَهُ أَنْ يَذْكُرَ مَثَلًا لِفِعْلِهِ سَاكِنَةَ الْعَيْنَ. فَذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْمُزَهَّرِ: قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَيُقَالُ: فُلَانٌ لَعْنَةٍ يَلْعَنُهُ النَّاسُ. وَسَبَّةٌ يُسُبُّونَهُ. وَسَخْرَةً يَسْخِّرُونَ مِنْهُ. وَهَزْأَةٌ وَضَحْكَةُ مِثْلِهُ. وَخِدْعَةً يَخْدَعُ. وَلِعْبَةٍ يَلْعَبُ بِهِ.
ثم قَالَ ابْنُ السُّكِّيتِ: وَمِمَّا أَتَى مِنْ الْأَسْمَاءِ عَلَى فِعْلَةِ: الزُّهْرَةِ، النَّجْمُ. وَهِيَ التُّهْمَةُ وَاللُّقَطَةُ وَالتَّخْمَةُ وَالتُّحْفَةُ. وَعَلَيْك بِالتُّؤْدَّةِ فِي أَمْرِك ... الخ.
والَّذِي يَدْعُو إِلَى الدَّهْشَةِ أَنَّ الأُسْتَاذَ عَبْدَ السَّلَامِ هَارُونَ كَانَ أَحَدٌ شَارِحِيٌّ وَمُحَقِّقِيٌّ كِتَابِ إصْلَاحِ الْمَنْطِقِ. وَقَدْ صَدَرَ عَامٌّ ١٩٤٩. وَلَمَا أَخْرَجَ كِتَابُ تَهْذِيبِ الصِّحَاحِ عَامٌّ ١٩٥٢. انسَاق مَعَ ابْنُ دُرْسْتُوَيْهِ فِي تَخْطِئَةِ الْمُصِيبِ وَتَصْوِيبِ الْمُخْطِئِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى مَادَّةٍ لَقَطْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ٤٦٤. وَلَمْ يَمُرَّ بِذِهَنِهِ مَا قَرَّرَهُ هَذَا الْمُعَلِّمُ الْكَبِيرَ، ابْنُ السُّكِّيتِ، فِي إصْلَاحِ الْمَنْطَقِ.
وَبَعْدَ تَحْرِيرِ مَا تَقَدَّمَ حَدَّثَنِي الْأُسْتَاذُ الْكَبِيرُ السَّيِّدُ خَيْرُ الدِّينِ الزَّرْكَلِيُّ؛ أَنَّ بِدَارَ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ نُسْخَةٌ خَطْيَّةٌ مِنْ كِتَابِ (التَّقْرِيبِ فِي عِلْمِ الْغَرِيبِ) لِابْنِ الْخَطِيبِ الدَّهْشَةُ - مَحْفُوظَةٌ تَحْتَ رَقِّمٍ ٦٧٧.
وقد جَاء فِيه. اللُّقَطَة، كَرُطْبَةً، وَيُسْكُنُ، أَوْ هُوَ مِنْ لَحْنِ الْعَوَامِّ ا هـ.
وَأَنَا أَقُولُ قَوْلًا لَا رَيْبَ فِيهِ: بَلْ هُوَ مِنْ لَحْنِ الْعَوَامِّ. وَإِنَّ مَنْ قَالَهَا الْخَلِيلُ ابْنُ أَحْمَدَ وَاللَّيْثُ وَابْنُ دُرَسْتُوَيْهِ وَمَنْ وَالَاهُمْ مِنَ الْمُعَاصِرِينَ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout