حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ. حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ؛ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا وَيُخْفِي عَنِّى. فَقَالَ: وَلَدٌ نَاصِحٌ. أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَارًا وَأُخْفِى عَنْهُ. قَال فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ.
(ويخفي عني ... وأُخَفِي عَنْهُ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ضَبَطْنَا هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ وَهُمَا (وَيَخْفِي عَنِّي وَاخْفِي عَنْهُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِيهِمَا عَنْ جَمِيعِ شُيُوخِنَا. إلَّا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْخُشَنِيِّ فَإِنِّي قَرَأْتُهُمَا عَلَيْهِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَحْرٍ يَحْكِي لَنَا عَنْ شَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ الْكِنَانِيُّ أَنَّ صَوَابَهُ بِالْمُعْجَمَةِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ هِيَ الصَّوَابُ. وَأَنَّ مَعْنَى أَحْفَى أَنْقَصَ. مِنْ إحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَهُوَ جَزْهَا. أَيْ أَمْسَك عَنِّي مِنْ حَدِيثِك وَلَا تُمْسِكُ عَلِيًّ. أَوْ أَنْ يَكُونَ الْإِحْفَاءُ الْإِلْحَاحُ أَوْ الِاسْتِقْصَاءَ، وَيَكُونُ عَنِّي بِمَعْنَى عَلِيٍّ. أَيْ اسْتُقْصِي مَا تَحَدَّثُنِي. هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ قَوْلُ الْقَاضِي، ثُمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ. قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْبِرِّ بِهِ وَالنَّصِيحَةُ لَهُ. مِنْ قَوْله تَعَالَى: وَكَانَ بِي حَفْيًّا. أَيْ أُبَالِغُ لَهُ وَأَسْتَقْصِي فِي النَّصِيحَةِ لَهُ وَالِاخْتِيَارُ فِيمَا أُلْقِيَ إلَيْهِ مِنْ صَحِيحِ الْآثَارِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عُمَرَ بْنُ الصَّلَاحِ: هُمَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. أَيْ يَكْتُمُ عَنِّي أَشْيَاءَ وَلَا يَكْتُبُهَا، إذَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا مَقَالٌ مِنْ الشَّيْعِ الْمُخْتَلِفَةِ وَأَهْلِ الْفِتَنِ. فَإِنَّهُ إذَا كَتَبَهَا ظُهَرَتْ. وَإِذَا ظَهَرَتْ خُولِفَ فِيهَا، وَحَصَلَ فِيهَا قَالَ وَقِيلَ. مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَلْزَمُ بَيَانُهَا لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ. وَإِنْ لَزِمَ فَهُوَ مُمْكِنٌ بِالْمُشَافَهَةِ دُونَ الْمُكَاتَبَةِ. قَالَ: وَقَوْلُهُ: وَلَدٌ نَاصِحٍ، مُشْعِرٌ بِذَلِكَ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout