كَذَلِكَ فَسَبِيلُ مَنْ أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ بِحَدِيثِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَأَشْبَاهِهُ أَنْ يَنْقُلَهُ مِنْ أَصْلِ مُقَابِلٍ عَلَى يَدَيْ ثِقْتَيْنِ بِأُصُولٍ صَحِيحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَرْوِيَّةٍ بِرِوَايَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ لِيَحْصُلَ لَهُ بِذَلِكَ مَعَ اشْتِهَارِ هَذِهِ الْكُتُبِ وَبَعْدَهَا عَنْ أَنْ تَقْصِدَ بِالتَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ الثِّقَةُ بِصِحَّةِ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأُصُولُ فَقَدْ تَكْثُرُ تِلْكَ الْأُصُولُ الْمُقَابِلُ بِهَا كَثْرَةً تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّوَاتُرِ أَوْ مَنْزِلَةِ الِاسْتِفَاضَةِ هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاسْتِظْهَارِ وَالَا فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْدَادُ الْأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ فَانَ الْأَصْلُ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ يَكْفِي وَتَكْفِي الْمُقَابَلَةُ بِهِ وَاَللَّهُ اعْلَم
(
اتفق الْعُلمَاء رَحِمَهُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْكُتُبِ بَعْدَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ الصَّحِيحَانِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٌ وَتَلَقَتْهُمَا الِامَّةُ بِالْقَبُولِ وَكِتَابِ الْبُخَارِيِّ أَصَحُّهُمَا وَأَكْثَرُهُمَا فَوَائِدٌ وَمَعَارِفٌ ظَاهِرَةً وَغَامِضَةٌ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مُسْلِمًا كَانَ مِمَّنْ يَسْتَفِيدُ مِنْ الْبُخَارِيِّ وَيُعْتَرَفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَرْجِيحِ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ الَّذِي قَالَهُ الْجَمَاهِيرُ وَأَهْلُ الِاتِّقَانِ وَالْحَذَقِ وَالْغَوْصُ عَلَى أَسْرَارِ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ الْحَافِظُ شَيْخُ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَيْعِ كِتَابُ مُسْلِمٍ أَصَحُّ وَوَافَقَهُ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَغْرِبِ وَالصَّحِيحُ الِاوْلُ وَقَدْ قَرَّرَ الِامَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ النَّظَّارَ أَبُو بَكْرٍ الِاسْمَاعِيلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمَدْخَلِ تَرْجِيحَ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ وَرُوِّينَا عَنْ الِامَامِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ مَا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ كُلِّهَا أَجْوَدُ مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ قُلْت وَمَنْ أَخْصَرَ مَا تَرَجَّحَ بِهِ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى انَّ الْبُخَارِيِّ أَجَلٌ مِنْ مُسْلِمٍ وَأَعْلَمُ بِصِنَاعَةِ الْحَدِيثِ مِنْهُ وَقَدْ انْتَخَبَ عِلْمُهُ وَلِخَصِّ مَا ارْتَضَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَبَقِيَ فِي تَهْذِيبِهِ وَانْتِقَائِهِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَمْعُهُ مِنْ أُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ الِاحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَقَدْ ذَكِرْتْ دَلَائِلُ هَذَا كُلِّهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمِمَّا تَرَجَّحَ بِهِ كِتَابُ الْبُخَارِيِّ انْ مُسْلِمًا رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ مَذْهَبُهُ بَلْ نَقَلَ الِاجْمَاعُ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ أَنَّ الِاسْنَادَ الْمُعْنَعَنَ لَهُ حُكْمُ الْمَوْصُولِ بِسَمِعَتْ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الْمُعْنَعِنِ وَالْمُعْنَعَنِ عَنْهُ كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ وَانٍ لَمْ يَثْبُتْ اجْتِمَاعُهُمَا وَالْبُخَارِيُّ لَا يَحْمِلُهُ عَلَى الِاتِّصَالِ حَتَّى يَثْبُتَ اجْتِمَاعُهُمَا وَهَذَا الْمَذْهَبُ يُرَجَّحُ كِتَابُ الْبُخَارِيِّ وَانْ كُنَّا لَا نَحْكُمُ عَلَى مُسْلِمٍ بِعَمَلِهِ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا الْمَذْهَبِ لِكَوْنِهِ يَجْمَعُ طُرْقًا كَثِيرَةً يَتَعَذَّرُ مَعَهَا وُجُودُ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي جَوَّزَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِفَائِدَةٍ حَسَنَةٍ وَهِيَ كَوْنُهُ أَسْهَلُ مُتَنَاوِلًا مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ حَدِيثٍ مَوْضِعًا وَاحِدًا يَلِيقُ بِهِ جَمْعٌ فِيهِ طُرُقَهُ الَّتِي ارْتِضَاهَا
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout