الشَّامِ. وَبَرْعَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ فِي الْقِرَاءَاتِ، وَكَانَ إذَا جَرَى ذِكْرُ الْقِرَاءِ يَقُولُ: فُلَانٌ مَاتَ عَامٌّ كَذَا، مَاتَ فُلَانٌ فِي سَنَةِ كَذَا، وَفُلَانٍ يَعْلُو إسْنَادَهُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا.
وَكَانَ إمَامًٌا فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، سَمِعْت أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا حَفِظَ "كِتَابُ الْجُمْهَرَةِ" وَخَرَجَ لَهُ تَلَامِذَةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَئِمَّةٌ يَقْرَءُونَ بِهَمْذَانَ، وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ رَأَيْتهُ، فَكَانَ مِنْ مَحْفُوظَاتِهِ كِتَابَ "الْغَرِيبَيْنَ" لِلْهَرَوِيِّ، إلَى أَنْ قَالَ: وَكَانَ مُهَينًُا لِلْمَالِ بَاعَ جَمِيعَ مَا وَرِثَهُ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ التُّجَّارِ فَأَنْفَقَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى سَافَرَ إلَى بَغْدَادَ وَأَصْبَهَانِ مَرَّاتٍ مَاشِيًًا يُحْمَلُ كُتَبَهُ عَلَى ظَهْرِهِ.
سَمِعْتِهِ يَقُولُ: كُنْتُ أَبِيتُ بِبَغْدَادَ فِي الْمَسَاجِدِ وَآكُلُ خُبْزِ الدَّخْنِ. وَسَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ بْنِ بُنِيْمَانَ الْأَدِيبِ يَقُولُ: رَأَيْتُ أَبَا الْعَلَاءِ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدٍ بَغْدَادَ يَكْتُبُ وَهُوَ قَائِمٌ؛ لِأَنَّ السِّرَاجَ كَانَ عَالِيًا، إلَى أَنْ قَالَ: فَعَظَمَ شَأْنُهُ فِي الْقُلُوبِ حَتَّى إنْ كَانَ يَمُرُّ فِي هَمْذَانَ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ رَآهُ إلَّا قَامَ وَدَعَا لَهُ حَتَّى الصِّبْيَانِ وَالْيَهُودَ.
وَرُبَّمَا كَانَ يَمْضِي إلَى بَلْدَةِ مِشْكَانٍ يُصَلِّي بِهَا الْجُمُعَةَ فَيَتَلَقَّاهُ أَهْلُهَا خَارِجَ الْبَلَدِ، الْمُسْلِمُونَ عَلَى حِدَةٍ وَالْيَهُودُ عَلَى حِدَةٍ يَدْعُونَ لَهُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ، وَكَانَ يَفْتَحُ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا جَمَلٌ فَلَمْ يَدْخِرْهَا بَلْ يُنْفِقُهَا عَلَى تَلَامَذَتِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ رُسُومٌ لِأَقْوَامٍ وَمَا كَانَ يَبْرَحُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِينَارٍ هَمْذَانِيَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ مَعَ كَثْرَةِ مَا كَانَ يَفْتَحُ عَلَيْهِ.
وَكَانَ يَطْلَبُ لِأَصْحَابِهِ مِنْ النَّاسِ وَيَعِزُّ أَصْحَابُهُ وَمَنْ يَلُوذُ بِهِ وَلَا يَحْضُرُ دَعْوَةً حَتَّى يَحْضُرَ جَمَاعَةَ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَمْوَالِ الظُّلَمَةِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ مَدْرَسَةٌ قَطٌّ وَلَا رِبَاطًَا وَإِنَّمَا كَانَ يُقْرِئُ فِي دَارِهِ وَنَحْنُ فِي مَسْجِدِهِ سُكَّانَ، وَكَانَ يُقْرِئُ نِصْفَ نَهَارِهِ الْحَدِيثَ وَنِصْفُهُ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمَ، وَكَانَ لَا يَغْشَى السَّلَاطِينَ وَلَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةً لَائِمٍ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًًا يَعْمَلُ فِي مَجْلِسٍ مُنْكِرٍ وَلَا سَمَاعًَا فَكَانَ يَنْزِلُ كُلُّ إنْسَانٍ مَنْزِلَتَهُ حَتَّى تَأَلَّفَتْ الْقُلُوبَ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَحُسْنِ الذِّكَرِ لَهُ فِي الْآفَاقِ الْبَعِيدَةِ حَتَّى أَهْلَّ خُوَارَزَمَ الَّذِينَ هُمْ مُعْتَزِلَةٌ مَعَ شِدَّتِهِ فِي الْحَنْبَلِيَّةِ.
وَكَانَ حَسَنُ الصَّلَاةِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًٍا مِنْ مَشَايِخِنَا أَحْسَنَ صَلَاةً مِنْهُ، وَكَانَ مُتَشَدِّدًًا فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ لَا يَدَعُ أَحَدًًا يَمَسُّ مَدَاسَهُ، وَكَانَ ثِيَابُهُ قِصَارًًا وَأَكْمَامُهُ قِصَارًًا وَعِمَامَتُهُ نَحْوَ سَبْعِ أَذْرُعٍ، وَكَانَتْ السَّنَّةُ شِعَارَهُ وَدِثَارُهُ اعْتِقَادًًا وَفِعْلًَا بِحَيْثُ إنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ مَجْلِسُهُ رَجُلٌ فَقَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى كَلِّفَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيُقَدَّمَ الْيُمْنَى، لَا يَمَسُّ الْأَجْزَاءُ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ، وَلَا يَدْعُو شَيْئًًا قَطُّ إلَّا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ تَعْظِيمًٌا لَهَا، إلَى أَنْ قَالَ: سَمِعْتُ مَنْ أَثَقَ بِهِ عَنْ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَافِظِ أَبِي الْعَلَاءِ لَمَّا دَخَلَ نَيْسَابُورَ: مَا دَخَلَ نَيْسَابُورُ مِثْلَك.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout