يَزُورُ مِنْهَا الْقَدْسُ وَيَعُود، إلَى أَنْ سَافَرَ إلَى الْعِرَاقِ سَنَةً اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَذَهَبَ إلَى طَرَابِلِسَ ثُمَّ إلَى حَلْبٍ وَبَقِيَ بِهَا أَيَّامًٍا. وَقَالَ الْمُؤْتَمِنُ السَّاجِي: تَحَامَلَتْ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الْخَطِيبِ حَتَّى مَالَ إلَى مَا مَالَ إلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرٍ: سَعَى بِالْخَطِيبِ حُسَيْنٌ الدَّمَنَشِيُّ إلَى أَمِيرِ الْجُيُوشِ وَقَالَ: هُوَ نَاصِبِيٌّ يَرْوِي فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ وَالْعَبَّاسِ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ. وَقِيلَ: إنَّ الْخَطِيبَ قَدِّمَ بَغْدَادَ وَظَهَرَ بِجُزْءٍ فِيهِ سَمَاعُ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ فَأَتَى دَارَ الْخِلَافَةِ يَسْتَأْذِنُ فِي قِرَاءَةِ الْجُزْءِ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: هَذَا رَجُلٌ كَبِيرٌ وَلَيْسَ غَرَضُهُ السَّمَاعُ فَانْظُرُوا هَلْ لَهُ حَاجَةً؟ فَسَأَلُوهُ مَا حَاجَتَهُ؟ قَالَ: أَنْ يُؤَذِّنَ لِي فِي أَنْ أَمْلِي بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ. قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: سَأَلْتُ هِبَةُ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ الشِّيرَازِيِّ: هَلْ كَانَ الْخَطِيبُ كَتَصَانِيفِهِ فِي الْحِفْظِ؟ قَالَ: لَا، كُنَّا إذَا سَأَلْنَا عَنْ شَيْءٍ أَجَابَنَا بَعْدَ أَيَّامٍ وَإِنْ أَلْحَحْنَا عَلَيْهِ غَضَبً، كَانَتْ لَهُ بَادِرَةٌ وَحَشَّةً.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْخَلَّالِ أَنَا جَعْفَرٌ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْحَافِظُ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ الزَّعْفَرَانِيُّ نَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ: أَمَّا الْكَلَامُ فِي الصِّفَاتِ فَإِنَّ مَا رُوِيَ مِنْهَا فِي السُّنَنِ الصِّحَاحِ مَذْهَبُ السَّلَفِ إثْبَاتُهَا وَإِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَنَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا، وَقَدْ نَفَاهَا قَوْمٌ فَأَبْطَلُوا مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ، وَحَقَّقَهَا قَوْمٌ مِنْ الْمُثْبَتَيْنِ فَخَرَجُوا فِي ذَلِكَ إلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّكْيِيفِ، وَالْفَصْلِ إنَّمَا هُوَ سُلُوكُ الطَّرِيقَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَدِيْنِ اللَّهِ بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْمُقَصِّرُ عَنْهُ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعُ الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ وَيَحْتَذِي فِي ذَلِكَ حَذْوهُ وَمِثَالُهُ، وَإِذَا كَانَ مَعْلُومٌ أَنَّ إثْبَاتَ رَبِّ الْعَالَمِينَ إنَّمَا هُوَ إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتَ كَيْفِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ صِفَاتِهِ إنَّمَا هُوَ إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتِ تَحْدِيدٍ وَتَكْيِيفٍ، فَإِذَا قُلْنَا: لِلَّهِ يَدٌ وَسَمِعَ وَبَصَرَ فَإِنَّمَا هِيَ صِفَاتٌ أَثْبَتُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ، وَلَا نَقُولُ: إنَّ مَعْنَى الْيَدِ الْقُدْرَةِ وَلَا إنَّ مَعْنَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ الْعِلْمُ وَلَا نَقُولَ: إنَّهَا جَوَارِحٌ وَلَا نَشْبَهُهَا بِالْأَيْدِي وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ الَّتِي هِيَ جَوَارِحٌ وَأَدَوَاتٌ لِلْفِعْلِ وَنَقُولُ: إنَّمَا وَجَبَ إثْبَاتُهَا؛ لِأَنَّ التَّوْقِيفَ وَرَدَّ بِهَا، وَوَجَبَ نَفْيُ التَّشْبِيهِ عَنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإِخلاص: ٤] .
وقَال ابْنُ النَّجَّارِ فِي تَرْجَمَةِ الْخَطِيبِ: نَشَأَ بِبَغْدَادَ وَقَرَأَ الْقُرْآنُ بِالرِّوَايَاتِ وَتَفَقِهُ وَعَلَّقَ شَيْئًٍا مِنْ الْخِلَافِ، وَآخَرُ مَنْ حَدَثَ عَنْهُ بِالسَّمَاعِ مُحَمَّدُ بْنِ عُمَرَ الأَرْمَوِيُّ الْقَاضِي. قُلْت: وَآخَرُ مَنْ حَدَثَ عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ مَسْعُودُ بْنُ الْحَسَنِ الثَّقَفِيِّ الَّذِي انْفَرَدَتْ بِإِجَازَتِهِ عُجِيبَةُ بِنْتَ الْبَاقِِدَارِيِّ، ثُمَّ طَعَنَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي نَقْلِ إجَازَةِ الْخَطِيبِ لِمَسْعُودٍ فَتَورَّعَ الرَّجُلُ عَنْهَا.
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ عَلِيُّ بْنُ عَلِيٍّ الأَمِيرُ: كَتَبَ الْخَطِيبِ إِلَى الْقَائِمِ: إِنِّي إِذَا مِتَّ يَكُونُ مَالِي لِبَيْتِ الْمَالِ فَلْيُؤْذَنْ لِي حَتَّى أَفْرَقَهُ عَلَى مَنْ شِئْتَ، فَأَذِنَ لَهُ فَفَرَّقَهَا عَلَى الْمُحَدِّثِينَ. قَالَ ابْنُ نَاصِرٍ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي أَنَّ أَبِي حَدَّثَهَا قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْخَطِيبِ فِي مَرَضِهِ فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًَا: يَا
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout