مُجَانِبِ الْإِيمَانِ. قُلْت: صُدِّقَ الصِّدِّيقُ فَإِنَّ الْكَذِبَ أَسَّ النِّفَاقَ وَآيَةُ الْمُنَافِقِ وَالْمُؤْمِنُ يَطْبَعُ عَلَى الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ الشَّهْوَانِيَّةِ لَا عَلَى الْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ، فَمَا الظَّنُّ بِالْكَذِبِ عَلَى الصَّادِقِ الْأَمِينِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَهُوَ الْقَائِلُ: "إنْ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى غَيْرِي، مَنْ يَكْذِّبُْ عَلِيَّ بَنِي لَهُ بَيْتٌ فِي النَّارِ" ١ وَقَالَ: "مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقَلِّ" ٢، الْحَدِيثُ. فَهَذَا وَعِيدٌ لِمَنْ نُقِلَ عَنْ نَبِيِّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّهُ مَا قَالَهُ فَكَيْفَ حَالَ مَنْ تَهْجَمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعَمَّدَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ وَقَوْلُهُ مَا لَمْ يُقُلْ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مِنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا يَرَى أَنَّهُ كَذِبَ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ" ٣ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ مَا ذِي إلَّا بَلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ وَخَطَرٍ شَدِيدٍ مِمَّنْ يُرْوِي الْأَبَاطِيلَ وَالْأَحَادِيثَ السَّاقِطَةَ الْمُتَّهَمُ نَقَلَتُهَا بِالْكَذِبِ، فَحَقٌّ عَلَى الْمُحْدِثِ أَنْ يَتَوَرَّعَ فِي مَا يُؤَدِّيهِ وَأَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ وَالْوَرَعِ لِيُعَيِّنُوهُ عَلَى إيضَاحِ مَرْوِيَاتِهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَصِيرَ الْعَارِفُ الَّذِي يُزَكَّى نَقْلَهُ الْأَخْبَارُ وَيُجْرَحُهُمْ جَهْبَذًا إلَّا بِإِدْمَانِ الطَّلَبِ وَالْفَحْصِ عَنْ هَذَا الشَّأْنِ وَكَثْرَةِ الْمُذَاكَرَةِ وَالسَّهْرِ وَالتَّيَقُّظِ وَالْفَهْمِ مَعَ التَّقْوَى وَالدَّيْنِ الْمَتِينِ وَالْإِنْصَافِ وَالتَّرَدُّدُ إلَى مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَالتَّحَرِّي وَالْإِتْقَانِ وَإِلَّا تَفْعَلَ:
فَدَعَ عَنْك الْكِتَابَةَ لَسْت مِنْهَا ... وَلَوْ سَوَّدْتْ وَجْهَكَ بِالْمَدَادِ
قَالِ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فََاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فَإِنْ آنَسَتُ يَا هَذَا مِنْ نَفْسِكَ فَهُمَا وَصَدْقًا وَدِيْنًا وَوَرْعًا وَإِلَّا فَلَا تَتَعَنْ وَإِنْ غَلَبَ عَلَيْكَ الْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةُ لِرَأَى وَالْمَذْهَبُ فَبِاَللَّهِ لَا تُتْعَبُ وَإِنْ عَرَفْت إِنَّكَ مُخْلِطٌ مُخْبَطٌ مُهْمَلٌ لِحُدُودِ اللَّهِ فَأَرَحْنَا مِنْكَ فَبَعْدَ قَلِيلٍ يَنْكَشِفُ الْبَهْرَجُ وَيَنْكِبُ الزَّغْلَ وَلَا يُحِيقُ الْمُكْرَ السَّيْءَ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَقَدْ نَصَّحْتُكَ فَعُلِمَ الْحَدِيثَ صُلْفٌ فَأَيْنَ عِلِمَ الْحَدِيثَ؟ وَأَيْنَ أَهْلُهُ؟ كُدَتْ أَنْ لَا أُرَاهُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ أَوْ تَحْتَ تُرَابِ.
نَعَمْ؛ فَرَأْسُ الصَّادِقِينَ فِي الْأَمَةِ الصِّدِّيقِ وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّحَرِّي فِي الْقَوْلِ وَفِي الْقَبُولِ.
وَقَدْ نَقَلَ الْحَاكِمُ فَقَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ بِمَرْوٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَرْبَرِيُّ أَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ أَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: جَمَعُ أَبِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ خَمْسُمِائَةٍ حَدِيثٌ فَبَاتَ لَيْلَتُهُ يَتَقَلَّبُ كَثِيرًا قَالَتْ: فَغَمِنِي
1 رواه البخاري في كتاب الجنائز باب ٣٤. ٢ رواه ابن ماجه في المقدمة باب ٤. "٢٢١" ٣ رواه أحمد في مسنده "١/ ١١٣" "٤/ ٢٥٠، ٢٥٢، ٢٥٥".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout