مَوْلَدُ مُحَمَّدٍ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، قِيلَ إنَّ الْمُكْتَفِيَ أَرَادَ أَنْ يَقِفَ وَقْفًا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَقَاوِيلُ الْعُلَمَاءُ قَالَ فَأَحْضَرَ لَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ كِتَابًا لِذَلِكَ، قَالَ فَأَخْرَجْت لَهُ جَائِزَةٌ فَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَقِيلَ لَهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةٍ؛ قَالَ: أَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْمُرَ بِمَنْعِ السُّؤَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَكَذَا الْتَمَسُ مِنْهُ الْوَزِيرُ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ كِتَابًا فِي الْفِقْهِ فَعَمِلَ لَهُ كِتَابُ الْخَفِيفِ فَوَجْهُ إلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَرَدَّهَا. وَقِيلَ: مُكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعِينَ وَرِقَةً. قَالَ تِلْمِيذُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَرْغَانِيُّ: حَسِبَتْ تَلَامِذَةُ أَبِي جَعْفَرٍ مُنْذُ احْتَلَمَ إلَى أَنْ مَاتَ فَقَسَمُوا عَلَى الْمُدَّةِ مُصَنَّفَاتِهِ فَصَارَ لِكُلِّ يَوْمٍ أَرْبَعَ عَشَرَةَ وَرِقَةً.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَائِنِيُّ: لَوْ سَافَرَ رَجُلٌ إلَى الصِّيْنِ فِي تَحْصِيلِ تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا. قَالَ حُسَيْنُك الْحَافِظُ: سَأَلَنِي ابْنُ خُزَيْمَةَ: أَكْتَبْتُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ؟ قُلْت: لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ، وَكَانَتْ الْحَنَابِلَةُ تَمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ؛ قَالَ: بِئْسَمَا صَنَعْتَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ بَالُوَيْهِ: سَمِعْت إمَامَ الْأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: مَا أَعْلَمُ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ أَعْلَمُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ وَلَقَدْ ظَلَمْتْهُ الْحَنَابِلَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَرْغَانِيُّ: كَانَ مُحَمَّدٌ لَا يَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةً لَائِمٍ مَعَ عِظْمِ مَا يُؤْذََى، فَأَمَّا أَهْلُ الدِّيْنِ وَالْعِلْمِ فَغَيْرُ مُنْكِرَيْنِ عِلْمَهُ وَزَهْدَهُ وَرَفْضُهُ لِلدُّنْيَا وَقَنَاعَتِهِ بِمَا يُجِيئُهُ مِنْ حِصَّةِ خَلْفِهَا لَهُ أَبُوهُ بِطَبْرَسَتَانِ.
ذِكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ السِّمْسَارُ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ تَنْشَطُونَ لِتَارِيخِ الْعَالِمِ؟ قَالُوا: كَمْ يَجِيءُ؟ فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفٌ وَرْقَةً، فَقَالُوا: هَذَا مِمَّا يُفْنِي الْأَعْمَارَ قَبْلَ تَمَامِهِ، قَالَ: إنَّا لِلَّهِ، مَاتَتْ الْهَمَمُ؛ فَأَمْلَاهُ فِي نَحْوِ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَرِقَةً، وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَمْلِيَ التَّفْسِيرَ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ أَمْلَاهُ عَلَى نَحْوِ مِنْ التَّارِيخِ. قَالَ الْفَرْغَانِيُّ: بَثُّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ بِبَغْدَادَ سَنَتَيْنِ وَاقْتَدَى بِهِ، ثُمَّ اتَّسَعَ عِلْمَهُ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى مَا اخْتَارَهُ فِي كُتُبِهِ، وَقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَأَبَى. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ الْإِمَامُ سَمِعْت ابْنَ جَرِيرٍ قَالَ: مَنْ قَالَ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرُ لَيْسَا بِإِمَامِي هُدًى يَقْتَلَ.
قَالَ الْفَرْغَانِيُّ: تَمَّ لَهُ التَّفْسِيرُ، وَالتَّارِيخُ، وَكِتَابُ الْقِرَاءَاتِ، وَكِتَابِ الْعَدَدِ وَالتَّنْزِيلِ، وَكِتَابِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَكِتَابِ تَارِيخِ الرِّجَالِ، وَكِتَابٌ لَطِيفِ الْقَوْلِ فِي الْفِقْهِ، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ وُجُودُهُ، وَكِتَابُ الْخَفِيفِ، وَكِتَابِ التَّبْصِيرِ فِي الْأُصُولِ، وَابْتَدَأَ بِتَصْنِيفِ كِتَابِ تَهْذِيبِ الْآثَارِ وَهُوَ مِنْ عِجَائٍ كُتُبِهِ ابْتَدَأَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مِمَّا صَحَّ، وَتَكَلَّمَ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ وَعِلَّتِهِ وَطُرُقِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَحُجْجِهُمْ وَاللُّغَةِ فَتَمَّ مُسْنَدَ الْعَشَرَةِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمَوَالِي وَمِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِطْعَةٌ وَمَاتَ.
قَالَ: وَابْتَدَأَ بِكِتَابِ الْبَسِيطِ، فَعَمِلَ مِنْهُ كِتَابُ الطَّهَارَةِ فِي نَحْوِ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَرِقَةٍ وَخَرَجَ مِنْهُ أَكْثَرُ الصَّلَاةِ وَخَرَجَ مِنْهُ كِتَابُ الْحُكَّامِ وَالْمُحَاضِرِ وَالسَّجْلَاتِ. وَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي دَاوُد تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ غَدِيرٍ خُمِّ عَمَلَ كِتَابَ الْفَضَائِلِ وَتَكَلَّمَ عَلَى تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout