لَنْ يَضْبِطَ الْعَقْلُ إلَّا مَا يُدَبِّرُهُ … وَلَا تَرَى فِي الْهَوَى لِلْعَقْلِ تَدْبِيرًا
كِنَّ مُحْسِنًًا أَوْ مُسِيئًًا وَابْقٌ لِي أَبَدًا … وَكُنْ لَدِيّ عَلَى الْحَالَيْنَ مَشْكُورًٌا
وَقَوْمٌ يَضْمُونَ إلَى سُكُونِ الظَّاهِرِ سُكُونُ الْقَلْبِ، بِالِاجْتِهَادِ وَالرِّيَاضَةِ، وَإِنْ أَتَى الْبَلَاءُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، بِلَ:
يُسْتَعْذِبُونَ بَلَايَاهُمْ كُلِّهُمْ … لَا يَيَأَسُونَ مِنْ الدُّنْيَا إذَا قَتَلُوا
وَلِذَلِكَ قَالَ ذُو النُّونِ الصَّمَرِيُّ: الرَّجَاءُ سُرُورُ الْقَلْبِ بِمُرُورِ الْقَضَاءِ، وَقَالَتْ رَابِعَةًُ: إنَّمَا يَكُونُ الْعَبْدُُ رَاضِيًا إذَا سَرَّتْهُ الْبَلِّيَّةَ كَمَا سُرَّتْهُ النِّعْمَةُ.
وَقَوْمٌ يَتْرُكُونَ الِاخْتِيَارَ، وَيُوَافِقُونَ الْأَقْدَارَ، فَلَا يَبْقَى لَهُمْ تَلَذُّذٌ وَلَا اسْتِعْذَابً، وَلَا رَاحَةَ وَلَا عَذَابً، قَالَ أَبُو الشَّيْصِ، وَأَحْسَنَ:
وَقْفُ الْهَوَىُّ بِي حَيْثُ أَنْتَ فَلَيْسَ لِي … مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدِّمُ
أَجِدِ الْمُلَامَةِ فِي هَوَاكٍ لِذِيذَةٍ … حُبًّا لِذِكْرِك فَلْيَلْمَنِي اللَّوْمَ
أَشْبَهْتْ أَعْدَائِي فَصَرَتْ أَحَبُّهُمْ … إذْ كَانَ حَظِّي مِنْك حُظِّي مِنْهُمْ
وَأَهُنْتَنِي فَأَهَنْت نَفْسِي عَامِدًًا … مَا مَنْ يَهُونَ عَلَيْك مِمَّنْ يُكْرَمُ
قَالَ فِي "الْإِمْلَاءِ"، عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: حَمَلَ الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ فِيمَا نَقَلَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، عَلَى التَّعْبِيرِ عَلَى السُّورَةِ، يَذْكُرُ أَوَّلُهَا بَعْدَ آيَةِ التَّسْمِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، كَمَا يُقَالُ قَرَأْت طه وَيسَ، قَالَ: ثُمَّ هَذَا اسْتِدْلَالُ الْخُصُومِ، عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، لَا يَتَّضِحُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَائِلِ السُّورِ لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: "يَسْتَفْتِحُ الْقِرَاءَةَ" قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، لَا مُطْلَقُ الْقِرَاءَةِ، وَحِينَئِذٍ فَالِافْتِتَاحُ بِالْحَمْدِ لِلََّّه رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يُنَافِي قِرَاءَةَ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلًَا، كَمَا لَا يُنَافِي قِرَاءَةَ التَّعَوُّذِ وَدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سَبِيلُ مَنْ أَشْرَفَ قَلْبَهُ وَنُورٌ بَصِيرَتِهِ عَلَى الضَّيَاعِ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِالرَّحْمَنِ، رَجَاءَ أَنْ يَتَدَارَكَ أَمْرُهُ بِالرَّحْمَةِ وَالِاصْطِنَاعِ، وَيَتَضَرَّّعٌ بِمَا أَنْشَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْفَقِيرِ:
لَوْ شِئْت دَاوِيْت قَلْبًا أَنْتَ مُسْقِمُهُ … وَفِي يَدَيْك مِنْ الْبَلْوَى سَلَامَتُهُ
إنْ كَانَ يَجْهَلُ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ حَرْقٍ … فَدَمِعَ عَيْنِي عَلَى خَدِّي عَلَامَتِهِ
ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ أَنَّ سَمْنُونَ كَانَ جَالِسًًا عَلَى الشَّطِّ، وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ يَضْرِبُ بِهِ فَخُذَهُ وَسَاقَهُ حَتَّى تَبْدُدَ لَحْمُهُ، وَهُوَ يَقُولُ:
كَانَ لِي قَلْبَ أَعْيشَ بِهِ … ضَاعَ مِنِّي فِي تَقَلُّبِهِ
رَبِّ فَارْدَدْهُ عَلَيٌّ فَقَدْ … ضَاقَ صَدْرِيٌّ فِي تَطْلُبِهِ
وَأَغَثَّ مَا دَامَ بِي رَمَقٍ … يَا غِيَاثُ الْمُسْتَغِيثِ بِهِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout