كَذَّبَهُمْ بَعْدَ افْتِضَاحِ أَمْرِهِمْ وَكَشْفِ عَوَارِهِمَ.
رَابِعًا- بَيَانُ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ: كَانَ لاَ بُدَّ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ مَعْرِفَةِ الرُّوَاةِ مَعْرِفَةٌ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ الْحُكْمِ بِصِدْقِهِمْ أَوْ كَذَّبِهِمْ فَدَرَسُوا حَيَاتَهُمْ وَتَوَارِيخُهُمْ وَأَحْوَالُهُمْ. يَقُولُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "كَامِلِهِ": قَالَ الثَّوْرِيُّ: لَمَّا اسْتُعْمَلَ الرُّوَاةَ الْكَذِبَ اسْتَعْمَلْنَا لَهُمْ التَّارِيخَ.
كَانُوا يُبِيِّنُونَ أَحْوَالَهُمْ وَيَنْقُدُونَهُمْ حِسْبَةً لِلَّه، لاَ تَأْخُذُهُمْ خَشْيَةً، وَلَاَ تُوَجِّهُهُمْ عَاطِفَةٌ فَلَاَ يُحَابُونَ أَبًَا وَلاَ أَخًا، وَلاَ وَلَدًَا فَهَذَا ابْنُ أُنَيْسَةَ يَقُولُ: لاَ تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي، وَهَذَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ: سَلُّوْا عَنْهُ غَيْرِي.
بَلْ إِنَّهُمْ كَانُوا يُعَيِّنُونَ أَيَّامًًا لِلنَّاسِ يُحَدِّثُونَهُمْ فِيهَا عَنِ الْكَذَّابِينَ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ النَّحْوِيُّ: "أَتَيْنَا شُعْبَةُ يَوْمَ مَطَرٍ فَطَلَبَ الْحَدِيثَ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ الْحَدِيثِ، وَالْيَوْمِ يَوْمَ غَيْبَةَ، تَعَالُوْا نُغْتَابُ الْكَذَّابِينَ"١.
قلت: وحَاشاهُرضِي اللَّهُ عَنْهُ- أَنْ يَكُونَ مُغْتَابًًا إِذْ لَاَ غَيْبَةَ لِفَاسِقٍ٢ وَأَفْسَقَ الْفُسَّاقَ الْكَذَّابُونَ. سُئِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَيُكَذِّبُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: لاَ، ثُمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] .
وهكَذَا تَكُونُ عِلْمُ الْجُرْحُ وَالتَّعْدِيلُ الَّذِي وَضَعَ أُصُولُهُ كِبَارَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى ضَوْءِ الشَّرِيعَةِ الْغِرَاءِ وَسُنَّّةٌ خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ِيَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا …﴾ [الْحُجَرَات: ٦] الآيَة.
وقَوله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجُرْحِ: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" وَفِي التَّعْدِيلِ: "نَعَمَ الرَّجُلُ عَبْدَ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُقِيمُ اللَّيْلَ".
وَقَدْ بَيَّنَ هَؤُلاَءِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ، وَتَكَلَّمُوا فِي الْعَدَالَةِ وَمُوجِبَاتِهَا، وَفِي الْجُرْحِ وَأَسْبَابِهِ، وَقَدْ نَصَّ الْخَلِيفَةَ عُمَرَ عَلَى الْعَدَالَةِ وَوَضْعِ أَوَّلِ الْأَسَسِ لِذَلِكَ فِي كِتَابٍ لَهُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَقَالَ: "وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّاَّ مَجْرِيًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ أَوْ مَجْلُودًٍا فِي حَدٍّ". وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكً: لَاَ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ، وَيُؤْخَذُ مِمَّنْ سِوَى ذَلِكَ:
لاَ يُؤْمِنُ مِنْ صَاحِبِ هَوَى يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ، وَلاَ مِنْ سَفِيهٍ مُعَلَّنٌ بِالسَّفَهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَرْوَى النَّاسِ وَلَاَ مِنْ رَجُلٍ يَكَذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ لَاَ تُتَّهَمُهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَلَاَ مِنْ رَجُلٍ لَهُ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ مَا يُحْدُثُ.
1 وينبغي التنبيه على ضعف هذا الحدث. ٢ "الكفاية" ٤٥، وانظر السنّة قبل التدوين: ٢٣٣ مكتبة وهبة.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout