هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا نَهَى عَنْ الْوِصَالِ فَأَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَى الْهِلَالَ فَقَالَ "لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ" كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِهِ "لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْت وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ" ١ وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ لَيْلَى امْرَأَةِ بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَتْ أَرَدْت أَنْ أَصُومَ يَوْمَيْنِ مُوَاصَلَةً فَمَنَعَنِي بَشِيرٌ وَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ الْوِصَالِ وَقَالَ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصَارَى٢.
٩٠٣ - حَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس [بالخير] ٣ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي
1 = أبيت يطعمني ربي ويسقيني فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون". وعنه في رواية أخرى أنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله. قال عليه السلام: "وأيكم مثلى، فإني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" فلما أبو أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يومًا ثم رأوا الهلال، فقال عليه السلام: "لو تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا". فهذان الحديثان، وما مثلهما مما ورد في هذا الباب يدلان على دلالة صريحة على أن الوصال منهي عنه، وهو من الخصائص التي أبيحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وامتنعت على أمته. والثاني: أن الوصال منهي عنه، ومكروه كراهة تنزيه، لأنه إنما نهى عنه حتى لا يضعف عن الصوم، وذلك أمر غير محقق، فلم يتعلق به إثم. وقد اتفق الكل من الشافعية على أن الوصال لا يبطل الصوم، لأن النهي لا يرجع إلى الصوم، فلا يوجب بطلانه. قال إمام الحرمين: إنه قربة في حق الرسول، وقد نبه عليه الصلاة والسلام على الفرق بيننا وبينه في ذلك، حيث قال: " إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني". واختلف أصحابنا في تأويل هذا الحديث على وجهين: أحدهما: وهو الأصح أن معناه أنه أعطي قوة الطاعم والشارب وليس المراد الأكل حقيقة إذ لو أكل حقيقة لم يبق وصالا ولقال: ما أنا مواصل، ويؤيد هذا التأويل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني أظل يطعمني ربي ويسقيني"، ولا يقال: ظل إلا في النهار، فدل على أنه لم يأكل. الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم يؤتى له بطعام وشراب من الجنة كرامة له، لا تشاركه فيها الأمة. وذكر صاحب العدة والبيان تأويلًا ثالثًا، وهو معناه: أن محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب، والحب البالغ يشغل عنهما. والحكمة في النهي عن الوصال ظاهرة واضحة، لا خفاء فيها، لأن الشارع الحكيم أمرنا بالمحافظة التامة على صحتنا، وعدم تعريضها للهلاك، فقال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ولا شك أن الجسم الذي يحرم، ويمنع من الطعام والشراب يومين فأكثر تضعف قوته، وتعتل صحته لقلة المواد الغذائية ولا يخفى ما يترتب على ضعف الجسم من عدم القيام بسائر الواجبات المتنوعة الدينية والدنيوية، وربما وصل الحال بمن يواصل الصيام أن يمل العبادة وينفر من الطاعة، وهنا الخطر العظيم. فيا له من مشرع حكيم وآمر عليم. وفقنا الله وقوانا على دوام الطاعة، وعمل ما فيه رضاه. ١ تقدم، وينظر تخريج الأحاديث السابقة. ٢ أخرجه أحمد "٥/٢٢٥". ٣ سقط في الأصل وفي ط.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout