وَكَانَ يُفِدُ إلَيْهِ طَلَابُ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ سَائِرِ الْأَنْحَاءِ، وَكَانَ يَتَّسَمُ بِالْحِلْمِ وَالتَّوَاضُعِ وَالصَّبْرِ كَثِيرِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ.
وَكَانَ مَرْجِعًًا فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، حَتَّى لَقَبَ بِلَقَبٍ "أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ" فِي الْحَدِيثِ وَهَذَا اللَّقَبُ لَا يَظْفَرُ بِهِ إلَّا أَكْبَرُ الْمُحَدِّثِينَ الْأَفْذَاذَ وَقَدْ حُبَبَ إلَى ابْنِ حَجَرٍ الْحَدِيثَ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ وَطَلَبِهُ مِنْ سَنَةٍ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ الطَّلَبَ إلَّا مِنْ سَنَةٍ سِتٍّ وَتِسْعِينَ فَعَكَفَ عَلَى الزَّينِ الْعِرَاقِيِّ وَتَخْرُجُ بِهِ وَانْتَفَعَ بِمُلَازَمَتِهِ، وَتَحَوَّلَ إلَى الْقَاهِرَةِ فَسَكَنَهَا قُبَيْلَ الْقَرْنِ وَارْتَحَلَ إلَى الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ وَالْحِجَّازِيَّةِ وَأَخَذَ عَنْ الشُّيُوخِ وَالْأَقْرَانِ وَأَذِنَ لَهُ جُلَّ هَؤُلَاءِ فِي الْإِفْتَاءِ وَالتَّدْرِيسِ.
وَتَصْدُرُ لِنَشْرِ الْحَدِيثِ وَقَصَرِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ مُطَالَعَةٌ وَقِرَاءَةٌ وَإِقْرَاءٌ وَتَصْنِيفًًا وَإِفْتَاءً وَزَادَتْ تَصَانِيفُهُ الَّتِي مُعْظَمُهَا فِي فُنُونِ الْحَدِيثِ وَفِيهَا مِنْ فَنُونِ الْأَدَبِ وَالْفِقْهِ -عَلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ تَصْنِيفًًا وَقَدْ عَرَفَ ابْنُ حَجَرٍ بِالْحِفْظِ وَكَثْرَةِ الِاطِّلَاعِ وَالسَّمَاعِ وَبَرْعَ فِي الْحَدِيثِ وَتَقَدَّمَ فِي جَمِيعِ فَنُونِهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ شُيُوخُهُ فِي هَذَا الشَّأْنِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ وَلِيُّ تَدْرِيسِ الْفِقْهِ بِالْمَدْرَسَةِ الشَّيْخُونِيَّةِ وَتَدْرِيسِ الْحَدِيثِ بِالْمَدْرَسَةِ الْجَمَالِيَّةِ الْجَدِيدَةِ ثُمَّ تَدْرِيسُ الشَّافِعِيَّةِ بِالْمُؤَيَّدَةِ الْجَدِيدَةِ وَمَشْيخَةِ الْبَيْبَرَسِيَّةِ فِي دَوْلَةِ الْمُؤَيَّدِ وَتَدْرِيسِ الْفِقْهِ بِالْمَدْرَسَةِ الصَّلَاحِيَّةِ الْمُجَاوَرَةِ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، كَمَا تَوَلَّى الْخِطَابَةُ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ وَبَيْنَ التَّدْرِيسِ وَالْإِفْتَاءِ وَلِيُّ مَنْصِبَ الْقَضَاءِ، وَكَانَتْ أَوَّلُ وِلَايَتِهِ الْقَضَاءُ فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْمُحْرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ بَعْدَ أَنْ امْتَنَعَ أَوَّلًَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُؤَثِّرُ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالتَّأْلِيفِ وَالتَّصْنِيفِ شَيْئًٌا غَيْرَ أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ كَمَا يَقُولُ السَّخَاوِيُّ قَدْ نَدِمَ عَلَى قَبُولِهِ وَظِيفَةُ الْقَضَاءِ وَيَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ مِنْ آفَةِ التَّلَبُّسِ بِالْقَضَاءِ أَنَّ بَعْضَهُمْ ارْتَحَلَ إلَى لِقَائِي وَأَنَّهُ بَلَغَهُ تَلَبُّسِيٌّ بِوَظِيفَةِ الْقَضَاءِ فَرَجَعَ، وَعَزَلَ عَنْ الْقَضَاءِ وَأُعِيدَ إلَيْهِ مَرَّاتٌ وَكَانَ آخِرُ وِلَايَتِهِ الْقَضَاءُ إذْ عَزْلَ نَفْسَهُ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةً اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَمَانِمِائَةِ.
شيُوخِهِ:
بَلَغَ عَدَدَ شُيُوخِهِ بِالسِّّمَاعِ وَبِالْإِجَازَةِ وَبِالْإِفَادَةِ عَلَى مَا بَيَّنَ بِخَطِّهِ نَحْوَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ نَفْسًَا، وَإِذَا اسْتَثْنَيْنَا الشُّيُوخَ الَّذِينَ أَجَازُوا عُمُومًًا فَقَدْ تَرْجَمَ فِي "الْمَجْمَعِ الْمُؤَسَّسِ" لِأَكْثَرَ مِنْ سِتِّمِائَةِ شَيْخٍ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ عَدَدَ شُيُوخِهِ بَلَغَ سِتُّمِائَةَ نَفْسٍ سِوَى مَنْ سَمِعَ مِنْهُ مِنْ الْأَقْرَانِ.
وَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ الشُّيُوخِ الَّذِينَ يُشَارُ إلَيْهِمْ وَيَعُولُ فِي حِلِّ الْمُشْكِلَاتِ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ مُتَبَحِّرًٌا وَرَأْسًَا فِي فَنِّهِ الَّذِي اُشْتُهَرَ بِهِ "فَالْبُلْقِينِيُّ فِي سَعَةِ الْحِفْظِ وَكَثْرَةِ الِاطِّلَاعِ وَابْنِ الْمُلَقَّنِ فِي كَثْرَةِ التَّصَانِيفِ وَالْعِرَاقِيِّ فِي مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، وَالْهَيْثَمِيُّ فِي حِفْظِ الْمُتُونِ، وَاسْتِحْضَارِهَا وَالْمَجْدُ الشِّيرَازِيِّ فِي حِفْظِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout