فَأَسْمَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ شَيْخِهِ حَافِظَ الْعَصْرَ عَبْدَ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ الْحَدِيثَ الْمُسَلَسَلَ بِالْأَوَّلِيَّةِ، وَكَذَا أَسْمَعُهَا إيَّاهُ مِنْ لَفْظِ الْعَلَّامَةِ الشَّرَفُ ابْنُ الْكَوَيْكِ، وَأَجَازَ لَهَا بِاسْتِدْعَاءِ عَدَدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ فِيهِمْ أَبُو الْخَيْرِ بْنُ الْحَافِظِ الْعَلَائِيُّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَافِظِ الذَّهْبِيُّ، وَلَمْ تَكُنْ الِاسْتِدْعَاءَاتُ بِالْإِجَازَةِ لَهَا لِتَقْتَصِرَ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ بَلْ مِنْ الشَّامِيِّيْنَ وَالْمَكِّيَينِ وَالْيُمْنِيَيْنَ، وَكَانَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي حَالَةِ الِاسْتِدْعَاءِ لَهَا بِدُونِ أَسْمَاءِ مِنْ وَلَدَنٍ مِنْ بَنَاتِهَا اللَّاتِي وَلَدَنٌ تَبَاعًَا.
وَحَجْتْ صُحْبَةُ زَوْجِهَا فِي سَنَةٍ ٨١٥ هـ كَمَا حَجَّت وَجَاوَرْتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَدَّثَتْ بِحُضُورِ زَوْجِهَا، وَقَرَأَ عَلَيْهَا الْفُضَلَاءَ، وَكَانَتْ تَحْتَفِلُ بِذَلِكَ وَتَكْرُمُ الْحَاضِرِينَ، وَقَدْ خَرَجَ لَهَا السَّخَاوِيُّ أَرْبَعِينَ حَدِيثًَا عَنْ أَرْبَعِينَ شَيْخًٌا، وَقَرَأَهَا عَلَيْهَا بِحُضُورِ زَوْجِهَا، وَكَانَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ قَدْ أَسْلَفَ لَهَا بِالْإِعْلَامِ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَاعَبَةِ بِقَوْلِهِ: قَدْ صَرَّتْ شَيْخَةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَتْ كَثِيرَةُ الْإِمْدَادِ لِلْعَلَّامَةِ إبْرَاهِيمُ بْنُ خَضْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْعُثْمَانِيِّ الْعَلَّامَةُ الْمُنْفِّسُ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُ لَهَا "صَحِيحٌ الْبُخَارِيُّ" فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، وَتَحْتَفِلُ يَوْمَ الْخَتْمِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْحَلْوَى وَالْفَاكِهَةِ، وَيَهْرَعُ الْكِبَارَ وَالصِّغَارُ لِحُضُورِ ذَلِكَ الْيَوْمِ قُبَيْلَ رَمَضَانَ بَيْنَ يَدَيْ زَوْجِهَا الْحَافِظِ، وَلَمَّا مَاتَ الْحَافِظُ ابْنُ خَضْرٍ قَرَأَ لَهَا سَبْطُهَا يُوسُفُ بْنُ شَاهِينَ، وَلَمْ تُضْبَطْ لَهَا هَفْوَةٌ وَلَا زَلَّةً.. وَكَانَ زَوْجُهَا يَكُنْ لَهَا الِاحْتِرَامُ الْكَبِيرُ كَمَا كَانَتْ هِيَ عَظِيمَةُ الرِّعَايَةِ لَهُ. فَوَلَدَتْ لَهُ عِدَّةُ بَنَاتِ زَيْنٍ خَاتُونَ وَفِرْحَةٍ، وَعَالِيَةً، وَرَابِعَةً، وَفَاطِمَةً، وَلَمْ تَأْتِ مِنْهُ بِذِكْرٍ، وَكَانَتْ كُلَّّمَا حَمَلَتْ ذِكَرًَا وَلَدٌ قَبْلَ أَوَانِهِ مَيِّتًَا.
وَتَمْرَ السَّنَوَاتُ ثَقِيلَةً مُتَبَاطِئَةً، وَتَتَدَافَعُ فِي نَفْسِهِ أُمُورٌ مُتَنَافِرَةً يَحْتَرِمُ أُمُّ أَوْلَادِهِ وَيَرْعَاهَا، غَيْرَ أَنَّهُ شَاءَ اللَّهُ لَهَا أَنْ لَا تَلِدَ إلَّا إنَاثًًا، أَمَّا الذُّكُورُ فَيَمُوتُونَ، بِيَدِ أَنَّهُ أَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، فَاخْتَارَ التَّسَرِّي، وَكَانَتْ لِزَوْجَتِهِ جَارِيَةً يُقَالُ إنَّ اسْمَهَا خَاصٌّ نَزَلً، فَأَظْهَرُ غَيْظًَا بِسَبَبِ تَقْصِيرِهَا، وَأَقْسَمَ بِأَنْ لَا تُقِيمَ بِمَنْزِلِهِ فَبَادَرَتْ أَنَسٌ لِبَيْعِهَا، فَأَرْسَلَ شَمْسَ الدِّينِ بْنُ الضَّيَاءِ الْحَنْبَلِيُّ فَاشْتَرَاهَا لَهُ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ وَتَزَوَّّجِهَا فِي مَكَان بَعِيدٍ عَنْ مَنْزِلِهِ، فَحَمَلَتْ بِوَلَدِهِ الْوَحِيدِ بَدْرُ الدِّينِ بْنِ الْمَعَالِي مُحَمَّدٌ الْمَوْلُودِ فِي الثَّامِنِ عَشَرَ مِنْ صَفَرِ سَنَةٍ ٨١٥ هـ وَكَانَتْ الْعَقِيقَةُ فِي مَنْزِلِ أَنْسٍ، وَلَمْ تُشْعِرْ بِذَلِكَ إلَى قَبْلِ انْفِصَالِ الْوَلَدِ عَنْ الرَّضَاعِ، فَلَمَّا عَلِمْت أَنَسٌ ذَهَبَتْ هِيَ وَأُمُّهَا إلَى مَكَانِ وُجُودِ الْوَلَدِ وَأُمِّهِ وَأَحْضَرْتْهَا مَعَهَا إلَى مَنْزِلِهَا وَأَخَفَتْ أَمْرَهُمَا. وَلَمَّا حَضَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ اسْتَجْوبَتْهُ زَوْجَتَهُ أَنَسٌ فَمَا اعْتَرَفَ وَلَا أَنْكَرَ بَلْ رَوَى بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِنْكَارُ، ثُمَّ قَامَتْ فَأَخْرَجَتْ الْوَلَدُ وَأُمُّهُ فَأَسْقَطَ فِي يَدِهِ.
وَعَاتِبَتِهُ عَتَابًًا مَرًَّّا، فَاعْتَذَرَ بِمَيْلِهِ لِلْأَوْلَادِ الذُّكُورِ، وَدَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُرْزُقَ وَلَدًًا عَالِمًَا، فَتَأَلَّمَ لِذَلِكَ وَخَشِيَ مِنْ دُعَائِهَا، وَقَالَ لَهَا: أَحْرِقْتُ قَلْبِي أَوْ شَيْئًٍا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَجَابَةُ الدَّّعَاءَ.
وَبَعْدَ وَفَاةِ الْحَافِظِ ابْنُ حَجَرٍ أَرْسَلَ لَهَا عِلْمَ الدَّينِ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى يَدِ وَلَدِهِ أَبِي الْبَقَاءِ يَطْلُبُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout