وَلَمْ يَدْخُلْ الْكُتّاب حَتَّى أَكْمَلَ خَمْسَ سِنِينَ فَأَكْمَلَ حِفْظَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَلَهُ تِسْعُ سِنِينَ وَمِنْ الَّذِينَ قَرَأَ عَلَيْهِمْ فِي الْمُكْتُبِ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْعَلَافِ الَّذِي وَلِيَ حِسْبَةَ مِصْرَ وَقْتًَا وَغَيْرُهُ.
وَأَكْمَلُ حِفْظَهُ لِلْقُرْآنِ عَلَى صَدْرِ الدَّيْنِ مُحَمَّدُ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ السَّفْطِيِّ، وَكَانَ الِاتِّجَاهُ الثَّقَافِيُّ السَّائِدُ آنِذَاكَ يَقْتَضِي مِنْ الَّذِي يَسْتَظْهِرُ الْقُرْآنُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ إمَامًٌا فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي لَيَالِي شَهْرٍ رَمَضَانَ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْفُرْصَةَ لَمْ تَتَهَيَّأْ لِابْنِ حَجَرٍ الصَّّبِيِّ النَّّابَهُ الَّذِي حَفِظَ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَزَلْ فِي التَّاسِعَةِ مِنْ عُمْرِهِ، وَهَذِهِ فِي الْحَقِيقَةِ مَسْأَلَةٌ شَرْعِيَّةٌ حَيْثُ لَا تُجْزَىءُ صَلَاةِ الْمُؤْتَمِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ إمَامُهُمْ بِالْغًَا، وَمَعَ الِاخْتِلَافِ النَّسَبِيِّ فِي تَحْدِيدِ سِنِّ الْبُلُوغِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ الثَّانِيَةَ عَشَرَةٌ مِنْ عُمَرِ الصَّبِيِّ كَانَتْ تَتِيحُ لَهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ أَنْ يُصَلِّيَ إمَامًًا بِالْمُسْلِمِينَ إنْ هُوَ حِفْظُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَظِرَ بُلُوغُ هَذِهِ السِّنَ.
وَفِي أَوَّّلِ سَنَةٍ ٧٨٣ اشْتَغِلْ بِالْإِعَادَةِ، وَفِي سِنّةٍ ٧٨٥ أَكْمَلُ الْحَافِظِ ابْنُ حَجَرٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، وَمَنْ حَسَنِ حَظُّهُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاجِدًًا حِينَئِذٍ مَعَ وَصِيَّةِ الزَّكِّيِّ الْخَرَّوَبِيِّ فِي مَكَّةَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَصَلَّى التَّرَاوِيحَ هُنَاكَ.
وَيُمْكِنُ تَصَوُّرُ بِوَادِرِ نُبُوغِهِ وَشَجَاعَتِهِ، فَبِقَدْرِ مَا كَانَتْ مُفْخَّرَةً لَهُ كَصَبِيٍّ يَتَقَدَّّمُ إمَامًٍا بِالْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَإِنَّهَا كَانَتْ لَحْظَةً حَاسِمَةٍ وَحُرْجَةٍ اجْتَازَهَا بِثَبَاتٍ وَحَسَنٍ أَدَاءً، فَكَانَتْ الْخِيْرَةُ لَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ، وَكَانَ الْحَجُّ يَوْمَئِذٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَحَجَّ وَجَاوِرَ فِي الْحَرَمِ الشَّرِيفِ ثُمَّ صَلَّّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالْقُدْسَ.
وَيَظْهَرُ مِنْ اسْتِقْرَاءِ تَرَاجُمِ الَّذِينَ عَاشُوا فِي عَصْرِ الْحَافِظِ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ تَقْلِيدًَا ثَقَافِيًا كَانَ يَسُودُ بَيْنَ أَوْسَاطِ التَّلَامِيذِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ بِالْكِتَّابِ وَذَلِكَ بِإِلْزَامِ التَّلَامِيذِ بِالتَّدَرُّجِ فِي حِفْظِ بَعْضٍ مُخْتَصَرَاتِ الْعُلُومِ وَالْكُتُبِ وَسَمَاعِ بَعْضِهَا الْآخَرِ، وَهِيَ الَّتِي اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ آنِذَاكَ اعْتِبَارَهَا أَسَاسًَا فِي بِنَاءِ ثِقَافَةِ طَلَابِ الْعِلْمِ، وَكَانَ حِفْظُهَا أَوْ سَمَاعُهَا يَتِمُّ بِإِشْرَافِ أَسَاتِذَةِ كَفَاةٍ بَارِزَيْنِ فِي حُقُولِ اخْتِصَاصِهِمْ أَوْ مَا يَقْرَبُ مِنْهَا.
وَإِذَا كَانَتْ ثِقَافَةُ الْحَافِظِ ابْنُ حَجَرٍ تَقْلِيدِيَّةٌ فِي أُسْلُوبِهَا فَهِيَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فِي مُكُوِّّنَاتِهَا، نَظَرًَا لِقَائِمَةِ الْكُتُبِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي كَوَّّنَتْ ثِقَافَتُهُ بَادَّىءَ ذِي بَدْءَ.
وَبَعْدَ أَنَّ حِفْظَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ظَهَرَتْ مَخَايِلُ الذَّكَاءِ الْفِطْرِيِّ جَلِيَّةٌ عَلَيْهِ مَا لَبِثَ أَنْ اسْتَكْمَلَهَا بِالتَّتَّبُّعِ وَالتَّحْصِيلِ حَتَّى صَارَ حَافِظَ عَصْرَهُ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ.
وَحِفِظَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مَعَ الْخُرُوبِيِّ إلَى مِصْرٍ سُنَّةٍ ٧٨٦ "عمدَّةُ الْأَحْكَامُ" لِلْمَقْدِسِيِّ، وَ"الْحَاوِي الصَّّغِير" لِلْقُزَوِيْنِيِّ وَ"مُخْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ" الْأَصْلِيُّ فِي الْأُصُولِ، وَ"مِلْحَةِ الْإِعْرَابِ" لِلْهَرَوِيِّ، وَ"مَنْهَجِ الْأُصُولِ" لِلْبَيْضَاوِيِّ وَأَلْفِيّةِ الْعِرَاقِيِّ وَأَلْفَيّْةِ ابْنِ مَالِكٍ، وَالتَّنْبِيهُ فِي فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ لِلشِّيرَازِيِّ وَتَمَيَّزُ بَيْنَ أَقْرَانِهِ بِسُرْعَةِ الْحِفْظِ فَأَشَارَ مُتَرَجِّمُوهُ إلَى أَنَّهُ حِفْظُ سُورَةَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout