لقد تَبَوَّأُ الْبَيْهَقِيُّ مَكَانَةً عِلْمِيَّةٍ بَارِزَةً بَيْنَ أَقْرَانِهِ بَلْ وَعِنْدَ شُيُوخِهِ الَّذِينَ تَوَسَّمُوا فِيهِ سَمَّتْ طَالِبَ الْعِلْمِ الْمَجْدَ وَالْعَالِمَ الْفَذَّ، وَقَدْ بَرَعَ فِي الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ وَخَاصَّةً عِلْمِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ بِمَا بَؤََّأَهُ هَذِهِ الْمَكَانَةُ الرَّفِيعَةُ وَالْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ مِمَّنْ "اشْتَغَلَ بِالتَّصْنِيفِ بَعْدَ أَنْ صَارَ أَوْحَدَ زَمَانَهُ وَفَارِسَ مَيْدَانِهِ وَأَحْذَقَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَحَدََّهم ذِهْنَا، وَأَسْرَعُهُمْ فَهُمَا، وَأَجْوَدُهُمْ قَرِيحَةٌ، وَبَلَغَتْ تَصَانِيفُهُ أَلْفَ جُزْءٍ وَلَمْ يُهَيَّأْ لِأَحَدٍ مِثْلِهَا" (^١).
فانْقَطِع بِقَرِيَتِه مُقْبِلًا عَلَى الْجَمْعِ وَالتَّأْلِيفِ، ثُمَّ انْعَقَدَ لَهُ مَجْلِسٌ فِي نَيْسَابُورٍ بِحَضْرَةِ عُلَمَائِهَا لِيُقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ "الْمَعْرِفَةِ"، فَتَكَاثَرَ عَلَيْهِ الطَّلَبَةُ وَسَمِعُوا مِنْهُ كُتُبَهُ وَجَلَبَتْ إلَى الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالنَّوَاحِى. وَقَدْ بَلَغَ الْمَرْتَبَةَ الْعُلْيَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَكَانَ أَعْلَمُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِمَذْهَبِهِ، وَقَالَ عَنْهُ الذَّهْبِيُّ: "لَوْ شَاءَ الْبَيْهَقِيُّ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ مَذْهَبًا يَجْتَهِدُ فِيهِ لَكَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ لِسْعَةِ عُلُومِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالِاخْتِلَافِ" (^٢).
وقال عنه السمعَانِىُّ: "كَانَ إِمَامًا فَقِيهًا حَافِظًا جَمْعَ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ وَفِقْهُهُ ... وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرُ وَصُنِّفَ فِيهِ التَّصَانِيفَ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهَا وَهِيَ مَشْهُورَةٌ وَمَوْجُودَةٌ بَيْنَ أَيْدَى النَّاسِ" (^٣).
وقال عنه الْحَافِظ عَبْدُ الْغَافِرِ: "هُوَ الْحَافِظُ الْأُصُولِيُّ الدََّّيِّن الورع، واحْدِ
1 طبقات الشافعية ٤/ ٩.
2 سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٦٩.
3 الأنساب ١/ ٤٣٨.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout