وَيُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ سَلَكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ طَرِيقَةُ السَّلَفِ، وَخَالَفَ الْأَشَاعِرَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ عِنْدَ التَّطْبِيقِ. لَكِنَّهُ أَوَّلُ بَعْضِ الصِّفَاتِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشَاعِرَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ جُمْهُورَ الْأَشَاعِرَةِ، وَهُمْ الْمُتَأَخِّرُونَ الَّذِينَ اسْتَقَرَّ الْمَذْهَبُ عَلَى رَأْيِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَثْبَتَ كَثِيرًًا مِنْ الصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ كَإِثْبَاتِ الْوَجْهِ وَالْعَيْنِ وَالْيَدَيْنِ، خِلَافًا لِمَذْهَبِ جُمْهُورِ الْأَشَاعِرَةِ، وَأَوَّلُ بَعْضِ الصِّفَاتِ، وَلِهَذَا نُقِلَ فِي تَأْوِيلِهِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْأَشَاعِرَةِ.
وَكَذَلِكَ نَجِدٌ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ وَافَقَ السَّلَفَ فِي جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَسْمَاءِ اللََّّهِ تَعَالَى مِنْ طَرِيقَةِ إثْبَاتِهَا، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ حَصْرِهَا، وَصِلَتِهَا بِالصِّفَاتِ، فَأَثْبَتَ صِفَةُ الْفَوْقِيَّةِ، فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ فَِي السَّمَاءِ﴾ أَيُّ فَوْقَ السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَةُ (^١).
وقد وَافق الْبَيْهَقِيُّ السَّلَفُ فِيمَا أَثْبَتَهُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَخَالَفَهُمْ فِي تَأْوِيلِ مَا بَقَى مِنْهَا. حَيْثُ أَثْبَتَ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهُ وَالْعَيْنَ، وَأَوَّّلُ مَا سِوَى ذَلِكَ، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ خَالَفَ السَّلَفَ فِي صِفَاتِ الْفِعْلِ الْخَبَرِيَّةِ؛ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى تَأْوِيلِ بَعْضِهَا، وَتَفْوِيضِ بَعْضِهَا الْآخَرِ، زَاعِمًًا أَنَّ التَّفْوِيضَ فِي مَا فُوَّضَ فِيهِ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ. وَمَذْهَبُ السَّلَفِ هُوَ الْإِثْبَاتُ الْحَقِيقِيُّ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ إثْبَاتًٌا لَا تَأْوِيلُ فِيهِ، وَلَا تَفْوِيضُ وَلَا تَشْبِيهٌ.
وَفِي صِفَةِ الْكَلَامِ خَالَفَ الْبَيْهَقِيُّ السَّلَفَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ
1 الأسماء والصفات ٢/ ٣٣٠.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout