وَأَمَّا النَّظَرُ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يُحَرِّمُ؛ لِأَنَّهُ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ شُبْهَةٌ فِي الزِّنَا ذَرِيعَةُ الذَّرِيعَةِ، لَكِنَّ الْأَمْوَالَ تَارَةً يُغَلَّبُ فِيهَا التَّحْلِيلُ وَتَارَةً يُغَلَّبُ فِيهَا التَّحْرِيمُ، فَأَمَّا الْفُرُوجُ فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ فِيهَا عَلَى تَغْلِيبِ التَّحْرِيمِ، كَمَا أَنَّ النَّظَرَ لَا يَحِلُّ إلَّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ شِرَاءٍ فَكَذَلِكَ يَحْرُمُ إذَا حَلَّ، أَصْلُهُ اللَّمْسُ وَالْوَطْءُ.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]: وَاحِدَتُهَا حَلِيلَةٌ، وَهِيَ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعَّلَةٍ، أَيْ مُحَلَّلَةٍ. حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْآبَاءِ نِكَاحَ أَزْوَاجِ أَبْنَائِهِمْ، كَمَا حَرَّمَ عَلَى الْأَبْنَاءِ نِكَاحَ أَزْوَاجِ آبَائِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] فَكُلُّ فَرْجٍ حَلَّ لِلِابْنِ حَرُمَ عَلَى الْأَبِ أَبَدًا.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: الْأَبْنَاءُ ثَلَاثَةٌ: ابْنُ نَسَبٍ، وَابْنُ رَضَاعٍ، وَابْنُ تَبَنٍّ. فَأَمَّا ابْنُ النَّسَبِ فَمَعْلُومٌ، وَمَعْلُومٌ حُكْمُهُ. وَأَمَّا ابْنُ الرَّضَاعِ فَيَجْرِي مَجْرَى الِابْنِ فِي جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحْكَامِ مُعْظَمُهَا التَّحْرِيمُ؛ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ». وَأَمَّا ابْنُ التَّبَنِّي فَكَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ؛ إذْ تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تبارك وتعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]؛ وَهَذِهِ هِيَ الْفَائِدَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لِيَسْقُطَ وَلَدُ التَّبَنِّي، وَيَذْهَبَ اعْتِرَاضُ الْجَاهِلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي نِكَاحِ زَيْنَبَ زَوْجِ زَيْدٍ، وَقَدْ كَانَ يُدْعَى لَهُ، فَنَهَجَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ بِبَيَانِهِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout