وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ رُجِيَ أَنْ يَمُوتَ بِالضَّرْبِ ضُرِبَ، وَإِلَّا أُقِيدَ مِنْهُ بِالسَّيْفِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا يُقْتَلُ بِالنَّبْلِ وَلَا بِالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْذِيبِ. وَاتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ قَصْدَ التَّعْذِيبَ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِقَتْلِهِ الرِّعَاءَ حَسْبَمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ فِي مُدَافَعَةٍ وَمُضَارَبَةٍ قُتِلَ بِالسَّيْفِ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ وَاجِبَةٌ، إلَّا أَنْ تَدْخُلَ فِي حَدِّ التَّعْذِيبِ فَلْتُتْرَكْ إلَى السَّيْفِ، وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ جَمِيعُ الْأَقْوَالِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَهُوَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ وَلَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - فِي شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا لَا يَصِحُّ أَيْضًا.
وَاَلَّذِي يَصِحُّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ، «عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذَا رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ هَذَا قَتَلَ أَخِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَقَتَلْته؟ فَقَالَ: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ لَأَقَمْت عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ. قَالَ: نَعَمْ، قَتَلْته. قَالَ: كَيْفَ قَتَلْته؟ قَالَ: كُنْت أَنَا وَهُوَ نَحْتَطِبُ مِنْ شَجَرَةٍ فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي فَضَرَبْته بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْته.»
وَرَوَى أَبُو دَاوُد: «وَلَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: هَلْ لَك مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّي عَنْ نَفْسِك؟ فَقَالَ: مَا لِي مَالٌ إلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي. قَالَ: فَتَرَى قَوْمَك يَشْتَرُونَك؟ قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ هَذَا. قَالَ: فَرَمَى إلَيْهِ بِنِسْعَتِهِ، وَقَالَ: دُونَكَ صَاحِبَكَ، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ؛ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: إنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّك قُلْت كَذَا وَأَخَذْته بِأَمْرِك قَالَ: أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِك وَإِثْمِ صَاحِبِك؟ قَالَ: لَعَلَّهُ. قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ ذَاكَ كَذَلِكَ. قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ».
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout