قُلْت: لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُتَيَمِّمُ أَنْ يَمْسَحَ بِالتُّرَابِ مَا وَرَاءَ الْمِرْفِقَيْنَ وَإِنَّمَا جَرَى الْقَوْمُ فِي اسْتِيعَابِ الْيَدِ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى ظَاهِرِ الِاسْمِ وَعُمُومِ اللَّفْظِ لِأَنَّ مَا بَيْنَ مَنَاطِ الْمَنْكَبِ إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ كُلِّهِ اسْمٌ لِلْيَدِ.
وَقَدْ يُقْسَّمُ بَدَنُ الْإِنْسَانِ عَلَى سَبْعَةِ آرَابِ الْيَدَانِ وَالرِّجُلَانِ وَرَأْسِهِ وَظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ ثُمَّ قَدْ يَفْصِلُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا فَيَقَعُ تَحْتَهُ اسْمًا خَاصَّةً كَالْعَضُدِ فِي الْيَدِ وَالذِّرَاعِ وَالْكَفِّ وَاسْمُ الْيَدِ يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْأَجْزَاءِ كُلِّهَا.
وَإِنَّمَا يَتْرُكُ الْعُمُومَ فِي الْأَسْمَاءِ وَيُصَارُ إلَى الْخُصُوصِ بِدَلِيلِ يُفْهَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاسْمِ بَعْضُهُ لَا كُلُّهُ، وَمَهْمَا عَدَمُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ كَانَ الْوَاجِبُ إجْرَاءُ الِاسْمِ عَلَى عُمُومِهِ وَاسْتِيفَاءُ مُقْتَضَاهُ بِرُمَتِهِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى إدْخَالِ الذِّرَاعِ فِي الْمِرْفَقَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِهِ سَالِمٌ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيُّ.
وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ لَهُ مِنْ صَنِيعِ عَمَّارٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ رَأَوْا إجْرَاءَ الِاسْمِ عَلَى الْعُمُومِ فَبَلَغُوا بِالتَّيَمُّمِ إلَى الْآبَاطِ وَقَامَ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ فِي إسْقَاطِ مَا وَرَاءَ الْمِرْفِقَيْنَ فَسَقَطَ وَبَقِيَ مَا دُونَهُمَا عَلَى الْأَصْلِ لِاقْتِضَاءِ الِاسْمِ إيَّاهُ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَذْهَبُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مِنْ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَالْبَدَلِ يَسُدُّ مَسَدُّ الْأَصْلِ وَيَحِلُّ مَحَلُّهُ وَإِدْخَالُ الْمِرْفِقَيْنَ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَاجِبٌ فَلْيَكُنْ التَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ كَذَلِكَ.
وَقَدْ يَقُولُ مَنْ يُخَالِفُ فِي هَذَا لَوَكَانِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ حُكْمَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ لَكَانَ التَّيَمُّمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَعْضَاءً، فَيُقَالُ لَهُ إنَّ الْعُضْوَيْنِ الْمَحْذُوفَيْنَ لَا عِبْرَةَ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout