وَلَا يَلْزَمُهُ لَهُ مِنَّةً، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًَا﴾ [الشُّورِىُّ: ٢٣] فَلَوْ كَانَ يَقْبَلُهَا وَلَاَ يُثِيبُ عَلَيْهَا لَكَانَتْ فِي مَعْنَى الْأَجْرِ، وَهَدِيَّةُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ رِشْوَةٌ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَئِيسَهُمْ وَسَيِّدُهُمْ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَلَا يُعْطِي وَأَنْ يُقْبَلَ وَلَا يُثِيبُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿َفَلَا تَمَنَنُ تَسْتَكْثِرُ﴾ [الْمُدْثَرِ: ٦] هَذَا خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، قَالَ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَهْدِيَ الشَّيْءَ لِيَعْتَاضَ أَكْثَرَ مِنْهُ، قَالَ وَهَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْهَدِيَّةَ تَقْتَضِي الثَّوَابَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرَطْ وَاسْتَدَلَّ فِي ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَهْدَى لَهُ أَعْرَابِيٌّ فَأَثَابَهُ فَلَمْ يَرْضَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا اتَّهَبَ إلَّاّ مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ دُوْسِي، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ أَمْرَ النَّاسِ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى وُجُوهٍ وَجَعَلَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ، فَقَالَ هِبَةُ الرَّجُلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ كَالْخَادِمِ وَنَحْوِهِ إكْرَامٌ لَهُ وَالطَّافِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَضٍ ثَوَابًٍا، وَهِبَةُ الصَّغِيرِ لِكَبِيرِ طَلَبِ رَفْدٍ وَمَنْفَعَةٍ وَالثَّوَابُ فِيهَا وَاجِبٌ، وَهِبَةُ النَّظِيرِ لِنَظِيرِهِ وَالْغَالِبُ فِيهَا مَعْنَى التَّوَدُّدِ وَالتَّقَرُّبِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ فِيهَا ثَوَابًًا فَأَمَّا إذَا وَهَبَ هِبَةً وَاشْتُرِطَ فِيهَا الثَّوَابُ فَهُوَ لَازِمٌ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّهَا عَقْدٌ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَقَالَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًًا وَأَثْبَتَ فِيهَا شَرَائِطُ الْمُبَايَعَاتِ مِنْ خِيَارِ الثَّلَاثِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout