عَنِ الْمُزَارَعَةِ بِشَطْرِ مَا تَخْرِجُهُ الْأَرْضُ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ تَوَرَّعًًا وَاحْتِيَاطًًا وَهُوَ رَاوِي خَبَرِ أَهْلِ خَيْبَرَ، وَقَدْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا أَيَّامَ حَيَاتِهِ ثُمَّ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ إلَى أَنَّ أَجْلَاهُمْ عَنْهَا.
وَفِيهِ إثْبَاتُ الْمُسَاقَاةِ وَهِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ الْمُعَامَلَةِ وَهِيَ أَنْ يَدْفَعَ صَاحِبُ النَّخْلِ نَخْلَهُ إلَى الرَّجُلِ لِيَعْمَلَ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهَا أَوْ صَلَاحُ ثَمَرِهَا وَيَكُونُ لَهُ الشَّطْرُ مِنْ ثَمَرِهَا وَلِلْعَامِلِ الشَّطْرُ فَيَكُونُ مِنْ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ رِقَابَ الشَّجَرِ، وَمِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ الْعَمَلُ كَالْمُزَارَعَةِ يَكُونُ فِيهَا مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْمَالِ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرِ وَمِنْ الْعَامِلِ التَّصَرُّفُ فِيهَا وَهَذِهِ لَهَا فِي الْقِيَاسِ سَوَاءً.
وَالْعَمَلُ بِالْمُسَاقَاةِ ثَابِتٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًًا مِنْهُمْ أَبْطَلَهَا إلَّاّ أَبَا حَنْنَفَةَ. وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا بِقَوْلِ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ فَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ إنَّمَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ لِأَنَّهُمَا يُخْرُصَانِ وَثَمَرُهُمَا بَادٍَ بَارَزٌ يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ وَعَلَّقَ الْقَوْلَ فِيمَا يَتَفَرَّقُ ثَمَرُهُ فِي الشَّجَرِ وَيَغِيبُ عَنْ الْبَصَرِ تَحْتَ الْوَرِقِ كَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْفَوَاكِهِ.
وَكَانَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يُجِيزُونَهَا فِي كُلِّ شَجَرٍ لَهُ أَصْلٌ قَائِمٍ. وَقَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِالْمُسَاقَاةِ فِي الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَشَرْطَ فِيهَا شُرُوطًا لَا يَكَادُ يَتَبَيَّنُ صِحَّةَ مَعْنَاهُ فِيهَا، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالرِّطَابِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَمَا يَكُونُ لَهُ ثَمَرَةٌ قَائِمَةٌ إذَا كَانَ دَفْعُهُ إلَيْهِ أَرْضًا وَمِنْهَا النَّخْلُ وَالرَّطَابُ.
وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِخَبَرِ أَرْضٍ خَيْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِلَهُمْ وَفِى أَرْضِهِمْ النَّخْلَ وَالزَّرْعُ وَنَحْوَهُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout