وَكَانَ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ إنَّمَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ بِالِافْتِتَاحِ بِاسْمِهِ وَإِنَّمَا هُوَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ خَمْسَ اللَّهُ وَخَمْسَ رَسُولِهُ وَاحِدٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ فَإِنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ قَالَ هُوَ لِلَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ قِسْمِ الْخُمُسِ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا مِفْتَاحُ الْكَلَامِ لِلَّهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.
قُلْت وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ هُوَ الظَّاهِرُ فِي التِّلَاوَةِ وَقَدْ اعْتَبَرَهُ بِآيَةِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَاعْلَمُوا إنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٤١] فَحَمَلَ حُكْمُ الْفَيْءِ عَلَيْهَا فِي إخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْهُ وَيَشْهَدُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ أَحَدُهِمَا أَنَّ الْعَطْفَ الْآخَرَ عَلَى الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ إلَّاّ بِبَعْضِ حُرُوفِ النُّسْقِ وَحَرْفِ النُّسْقِ مَعْدُومٌ فِي ابْتِدَاءِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿للْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الْحَشْرِ: ٨] وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ، وَالْمَعْنَى الْآخَرُ أَنَّ الْمُسَمِّينَ فِي الْآيَةِ الْآخِرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿وَاَلَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الْحَشْرِ: ١٠] لَو كَانُوا دَاخِلَيْنِ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ لَوَجَبَ أَنْ يَعْزِلَ حُقُوقَهُمْ وَيَتْرُكُ إلَى أَنْ يَلْحَقُوا كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْوَارِثِ الْغَائِبِ وَالشَّرِيكِ الظَّاعِنِ وَيَحْفَظُ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ وَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْثِرَ الْحَاضِرُونَ بِحُقُوقِ الْغَُيَّبِ إلَّاّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَعْلَمُ بِحُكْمِ الْآيَةِ وَبِالْمُرَادِ بِهَا، وَقَدْ تَابَعَهُ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَلَمْ يُتَابِعْ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا قَالَهُ فَالْمَصِيرُ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ وَهُوَ الْإِمَامُ الْعَدْلُ الْمَأْمُورُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: اقْتَدُوا بِاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِيِّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْلَى وَأَصْوَبَ.
وَمَا أَحْسَبُ الشَّافِعِيُّ عَاقَهُ عَنْ مُتَابَعَةِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ إلَّاّ مَا غَلَبَهُ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ وَأَعْوَزُهُ مِنْ دَلَالَةِ حَرْفِ النُّسْقِ فِيمَا يُعْتَبَرُ مِنْ حَقِّ النَّظْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout