فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقُ مِثْلِ قَوْلِهِمْ فِيمَنْ أَكَلَ أَوْ شُرِبَ نَاسِيًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَقَالَ أَحْمَدُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ الَّذِي وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ أُنْسِيْت أُمَّ عُمَدَتَ.
قُلْت مَعْنَاهُ فِي هَذَا اقْتِضَاءِ الْعُمُومِ مِنْ الْفِعْلِ. وَالْعُمُومِ إنَّمَا يَقْتَضِي مِنْ الْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ. وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ بِذِكْرِ حَالٍ وَحِكَايَةِ فِعْلٍ فَلَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ عَلَى الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ مَعًَا فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عُمُومٌ. وَمِنْ مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ إذَا أَكَلَ نَاسِيًا لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْصِيَةِ فَكَذَلِكَ إذَا جَامَعَ نَاسِيًا. فَأَمَّا الْمُتَعَمِّدُ لِذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ الْفِعْلُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْصِيَةِ فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عََن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ إنْ كَانَ لِيَكُونَ عَلِيًّّ تَعْنِي الصَّوْمَ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا اسْتُطِيعَ أَنْ أَقْضِيَهُ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانَ.
قَوْلُهَا فَمَا اسْتُطِيعَ أَنْ أَقْضِيَهُ إنَّمَا هُوَلِاشْتِغَالُهَا بِقَضَاءِ حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوْفِيرُ الْحَظِّ فِي عَشْرَتِهِ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ إلَى أَنْ يَدْخُلَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِنْ قَابِلٍ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لَهُ غَيْرُ عَاجِزٍ عَنْهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهَا شَعْبَانُ وَحَصْرُهَا مَوْضِعُ الْقَضَاءِ فِيهِ فَائِدَةٌ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الشُّهُورِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout