وَقَدْ اعْتُرِضَ عَلَى هَذَا قَوْمٌ فَقَالُوا فِي هَذَا ظُلْمٌ لِلْعَبِيدِ لِأَنَّ السَّيِّدَ إنَّمَا قَصَدَ إيقَاعَ الْعِتْقِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًًا، فَلَمَّا مَنَعَ حَقُّ الْوَرَثَةِ مِنْ اسْتِغْرَاقِهِمْ وَجَبَ أَنْ يَقَعَ الْجَائِزُ مِنْهُ شَائِعًًا فِيهِمْ لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ مِنْهُ كَمَا لَوْ وَهَبَهُمْ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ وَكَمَا لَوْ كَانَ أَوْصَى بِهِمْ فَإِنَّ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ قَدْ تَصِحُّ فِي الْجُزْءِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
قُلْت هَذَا قِيَاسٌ تَرُدُّهِ السُّنَّةَ، وَإِذَا قَالَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ قَوْلًٌا وَحُكَمَ بِحُكْمٍ لَمْ يَجُزْ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِرَأْيٍ وَلَا مُقَابَلَةٍ بِأَصْلٍ آخَرَ وَيَجِبُ تَقْرِيرُهُ عَلَى حَالِهِ وَاتِّخَاذُهِ أَصْلًٌا فِي بَابِهِ. وَالْوَصَايَا وَالْهِبَاتِ مُخَالَفَةٌ لِلْعِتْقِ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ لَا يَتَضَرَّرُونَ بِوُقُوعِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ شَائِعَينِ فِي الْعَبْدِ وَيَتَضَرَّرُونَ بِوُقُوعِ الْعِتْقِ شَائِعًٌا، وَأَمْرَالَعْتُقْ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالتَّكْمِيلِ إذَا وُجِدَ إلَيْهِ السَّبِيلُ وَحُكْمُ الدَّيْنِ قَدْ مُنِعَ مِنْ إكْمَالٍ فِي جَمَاعَتِهِمْ فَأَكْمَلُ لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ مِنْهُمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ فِي الْمَرَضِ بِالثُّلُثِ لِلْأَجَانِبِ لِأَنَّ عِتْقَهُ إيَّاهُمْ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ لَهُمْ وَهُمْ أَجَانِبٌ، قَالَ وَكَانَتْ الْعَرَبُ لَا تُسْتَعْبِدُ مِنْ بَيْنِهَا وَبَيْنَهُ نَسَبٌ تُرِيدُ بِهَذَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْأَقْرَبِينَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الثُّلُثُ وَيُسْتَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ لِلْوَرَثَةِ وَيَتَّقَ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ إذَا اعْتَقَّ فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَبْدًٌا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالُ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُعْتِقُ مِنْهُ الثُّلُثُ وَيَكُونُ ثُلُثَاهُ رَقِيقًا لِلْوَرَثَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ يَعْتِقُ ثُلُثُهُ وَيُسْتَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ لِلْوَرَثَةِ وَيُعْتِقَ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout