هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَةِ وَسِيَاقِ الْآيَةِ لِبَيَانِ أَنَّ مَا اسْتَنْكَرَهُ الْجَهْلَةُ مِنْ الْكُفَّارِ وَاسْتَغْرِبُوهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْمُحَقَّرَاتُ مِنْ الْأَشْيَاءِ مَضْرُوبًًا بِهَا الْمِثْلُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ الِاسْتِنْكَارِ وَالِاسْتِغْرَابِ لِأَنَّ التَّمْثِيلَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْمَعْنَى وَإِدْنَاءِ الْمُتَوَهِّمِ مِنْ الْمُشَاهَدِ فَإِنْ كَانَ الْمُتَمَثِّلُ لَهُ عَظِيمًٌا كَانَ الْمُتَمَثِّلُ بِهِ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَقِيرًًا كَانَ الْمُتَمَثِّلُ بِهِ كَذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَقَّ لَمَّا كَانَ وَاضِحًًا جَلِيًا تَمَثَّلُ لَهُ بِالضِّيَاءِ وَالنُّورِ وَأَنَّ الْبَاطِلَ لَمَّا كَانَ بِضِدِّ صِفَتِهِ تَمَثَّلُ لَهُ بِالظُّلَمَةِ وَلَمَّا كَانَتْ حَالَ الْآلِهَةِ الَّتِي جَعَلَهَا الْكُفَّارُ أَنْدَادًًا لِلَّهِ لَا حَالَ أَحْقَرَ مِنْهَا وَأَقَلَّ وَلِذَلِكَ تُجْعَلُ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ مِثْلَهَا فِي الضَّعْفِ وَالْوَهْنِ وَجُعِلَتْ أَقَلَّ مِنْ الذُّبَابِ وَضَرَبَتْ لَهَا الْبَعُوضَةُ فَاَلَّذِي دُونَهَا مَثَلًًا لَمْ يَسْتَنْكِرْ وَلَمْ يَسْتَبْدِعْ وَلَمْ يَقُلْ لِلْمُتَمَثِّلِ
الْبَقَرَةِ (٢٦ - ٢٧)
اسْتحى مِنْ تَمْثِيلِهَا بِالْبَعُوضَةِ لِأَنَّهُ مُصِيبٌ فِي تَمْثِيلِهِ مُحَقٌّ فِي قَوْلِهِ سَائِقٌ لِلْمِثْلِ عَلَى قَضِيَّةِ مَضْرِبِهِ وَلِبَيَانِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَادَتُهُمْ الِانْصَافُ وَالنَّظَرُ فِى الْأُمُورِ بِنَاظِرِ الْعَقْلِ إِذَا سَمِعُوا بِهَذَا التَّمْثِيلِ عَلِمُوا أَنَّهُ الْحَقُّ وَأَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ غَلَبَ الْجَهْلَ عَلَى عُقُولِهِمْ إِذَا سَمِعُوهُ كَابِرُوا وَعَانِدُوا وَقَضُوْا عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ وَقَابِلُوهُ بِالْإِنْكَارِ وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هُدَى الْمُؤْمِنِينَ وَضَلَاَلِ الْفَاسِقِينَ وَالْعَجَبِ مِنْهُمْ كَيْفَ أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَمَا زَالَ النَّاسُ يَضْرِبُونَ الْأَمْثَالَ بِالْبَهَائِمِ وَالطُّيُورِ وَخَشَاشِ الْأَرْضِ فَقَالُوا أَجْمَعُ مِنْ ذُرَّةٍ وَأَجْرَأَ مِنْ الذُّبَابِ وَأَسْمَعُ مِنْ قُرَادٍ وَأَضْعَفُ مِنْ فِرَاشَةٍ وَآكُلُ مِنَ السُّوْسِ وَأَضْعَفُ مِنْ الْبَعُوضَةِ وَأَعَزَّ مِنْ مَخِّ الْبُعُوضِ وَلَكِنَّ دَيدُنَ الْمَحْجُوجَ وَالْمَبْهُوتُ أَنْ يَرْضَى لِفَرْطِ الْحِيرَةِ بِدَفْعِ الْوَاضِحِ وَإِنْكَارِ اللَّائِحِ ﴿َوَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسْقِينُ﴾ هُوَ مَفْعُولٌ يَضِلُّ وَلَيْسَ بِمَنْصُوبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنْ يَضُلَّ لَمْ يَسْتَوْفِ مَفْعُولُهُ وَالْفِسْقُ الْخُرُوجُ عَنْ الْقَصْدِ وَالْفَاسِقِ فِي الشَّرِيعَةِ الْخَارِجِ عَنْ الْأَمْرِ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ وَهُوَ النَّازِلُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ أَيْ بَيْنَ مَنْزِلَةِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَسَيَمِرُ عَلَيْكَ مَا يُبْطِلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout