بَيْنَ يَدَيْ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ
نقل الْقَاسِمِيُّ فِي قَوَاعِدِ التَّحْدِيثِ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا السُّنَّةُ مَا فَهِمْ أَحَدٌ مِنَّا الْقُرْآنَ.
وَلَقَدْ هَيَّأَ اللَّهُ تَعَالَى لِحِفْظِهَا كَمَا حَفِظَ كِتَابَهُ، حَيْثُ نَهَضَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ بِتَبْلِيغِهَا وَإِذَاعَتِهَا وَرِوَايَتِهَا وَحِفْظِهَا وَتَدْوِينِهَا، وَاسْتَفْرَغُوا الْوُسْعَ فِي ذَلِكَ، وَتَشَهَّدُ تَرَاجُمُهُمْ بِعَظِيمِ الْجَهْدِ الَّذِي بِذَلُوهُ، فَمَنْ رَاحِلٍ لِسَمَاعِهَا، وَمُنْتَصِبٌ لِرِوَايَتِهَا، وَعَاكِفٍ عَلَى تَدْوِينِهَا وَالتَّصْنِيفِ فِيهَا.
وَكَانَ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةَ فِي مُقَدَّمَةِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ، الَّذِينَ تَقَدَّمُوا لِخِدْمَةِ السَّنَةِ النُّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ، حَيْثُ جَمَعَ كِتَابًًا جَامِعًَا، وَاخْتَصَرَ طُرُقَ الْحَدِيثِ اخْتِصَارًًا لِطِيفًًا، فَذَكَرَ مِنْهَا وَاحِدًٌا، وَأَوْمَأَ إلَى مَا عَدَاهُ، وَبَيْنَ أَمْرِ كُلِّ حَدِيثِ مَنْ إنَّهُ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ أَوْ ضَعِيفٌ أَوْ مُنْكِرً، وَبَيْنَ وَجْهِ الضَّعْفِ، فَكَانَ كِتَابُهُ كَافٍٍ لِلْمُجْتَهِدِ، مَُغِنٌ لِلْمُقَلِّدِ.
وَنَحْنِ إذْ نَقَدِّمُهُ الْيَوْمَ بَعْدَ أَنْ اسْتَفَضْنَا فِي تَتْبُّعِ الرُّوَاةِ وَالْحُفَاظِ مِمَّا تَقْتَضِيهِ الْعَدَالَةُ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ وَرِوَايَتِهِ، بِأَنْ يَكُونُوا أَمَنَاءً فِي أَنْفُسِهِمْ، عُلَمَاءُ بِدَيْنِهِمْ، أَهْلُ وَرَعٍ وَتَقْوَى وَحِفِظَ لِلْحَدِيثِ، وَإِتْقَانٍ بِهِ، وَتَثْبُتُ فِيهِ، وَأَنْ يَكُونُوا أَهْلَ تَمَيُّزٍ وَتَحْصِيلً، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الْعَدَالَةِ.
إنَّ الْحِرْصَ عَلَى نَشْرٍ "وَمَا أَتَاكُمْ الرَّسُولَ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهَوَا"، وَ"لْقَدْ كَانَتْ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةً" دَيْنٌ نُؤَكِّدُهُ الْيَوْمَ بِنَشْرِنَا الْيَوْمَ أَحَدٌ كُتَبَ "الْمَوْسُوعَةِ الْحُدَيْثِيَّةُ"، وَاَلَّذِي هُوَ مِنْ أَهَمِّهَا، تَوَفَّرَتْ فِيهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ وَالْحَسَنَةُ مِنْ السُّنَةِ النُّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، تَمَّ تَحْقِيقُهُ تَحْقِيقًًا عِلْمِيًا يَطْمَئِنَّ إلَيْهِ الْبَاحِثَ، وَيَرْضَى عَنْهُ الْقَارِئُ. ضَمِنَ الْمَنْهَجَ الَّذِى يُحَقِّقُ الْغَايَةَ الَّتِي نَتَوَخَّاهَا، وَالْأَمَلُ الَّذِي يَرْضِي رَبُّنَا.
فَلِكُلِّ مَنْ سَاهُمٍ وَبَادَرَ إلَى الْعَمَلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَجْمَلَ الشُّكْرَ وَأَعْذَبَهُ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ شَعَيْبٌ الْأُرْنُؤُوطِ، وَفَضِيلَةُ الشَّيْخِ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْعَجَمِيُّ وَالْأَبْنَاءُ الْبَرْرَةُ الَّذِينَ أَرْجُو أَنْ يُوَفِّقَهُمْ اللَّهُ عَلَى الْعَمَلِ عَلَى خِدْمَةِ هَذَا الدَّيْنِ بِنَشْرِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ مِنْ خِلَالِ (شَرِكَةِ مُؤَسَّسَةِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout