صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجَتْ مُخْتَارَاتٌ تَزِيدُ عَنْ أَلْفَيْنِ وَلَمَّا تَطْبَعُ. ثُمَّ رَاجَعَتْ الْكِتَابَ كُلَّهُ وَضَبَطَتْ أَلْفَاظَ أَحَادِيثِهِ ضَبْطًا وَافِيًا وَأَسْمَاءَ الرُّوَاةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ عَقِبَتْ كُلُّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ بِذِكْرِ طَائِفَةٍ مِنْ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تُنَاسَبُ أَنْ يَذْكُرَهُ الْوَاعِظُ الْمُرْشِدَ، وَالنَّاصِحُ الْأَمِينَ، وَالْمُهْدَى الْمُخْلِصَ، وَالشَّارِحُ الْوَافِى كَمَا ذِيلَتُهَا بِشَرْحِ (فَتْحٍ جَدِيدٍ) كَمَا أَلْهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُفَسِّرُ غَرِيبَ أَلْفَاظِهَا، وَيَحِلُّّ مُسْتَغْلِقٌ كَلِمَاتِهَا، وَأَوْرَدْتْ كُلُّ مَا تَمَسَّ إلَيْهِ الْحَاجَةُ فِي فَهْمِهَا، وَالِاسْتِدْلَالِ بِعَرْضِهَا، فَجَاءَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كِتَابًا جَمِيلًا حَوَى آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، وَحُكْمًا خَالِدَاتٍ، وَقُرْآنًا عَرَبِيًّا مُبَيَّنًا، شِنْفُ آذَانِ الْمُسْلِمِينَ بِآيِهِ النَّاطِقَةِ، وَأَثْلَجَ صُدُورِهِمْ بِحُكْمِهِ الْبَالِغَةِ، وَأَفَاضَ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ عَظَاتِهِ الْمُؤَثِّرَةِ، فَكَانَ مَصْدَرٌ خَيْرٌ، وَمُبْعَثٌ نُورٍ، وَشَمْسُ هِدَايَةً أَضَاءَتْ لِلْعَالِمِ سَبْلَ الْمَصَالِحِ، وَهِدَّتُهُمْ خَطَطَ الْعَمَلِ النَّاجِحِ.
ثم حَوَى جُمْلَةً مِنْ كَلَامِ خَيْرِ الْبَشَرِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ، وَحَاجَةٍ مِنْ الْبَشَرِ، فَأَهَابَ بِالْعُقُولِ مِنْ سُبَاتِهَا، وَأَخَذَ بِالنُّفُوسِ عَنْ غَيِّهَا، وَعَرَضَ عَلَى الْأَنْظَارِ خِيَالَةٌ تَمَثَّلَتْ فِيهَا آى الْكَوْنِ الصَّامِتَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَدَّّبَهُ رَبَّهُ فَوَصَفَهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّك لَعَلَى خَلْقٍ عَظِيمٍ) فَكَانَ تَكْوِينُهُ خَيْرَ تَكْوِينٍ وَتَثْقِيفُهُ أَوَّّلُ تَثْقِيفٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلَغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَإِنَّهَا لِأَحَادِيثَ مُنْتَقَاهُ مُتَخَيِّرَةٌ آيَةٍ فِي الْإِبْدَاعِ وَالْإِرْشَادِ، تَفْصِلُ شُؤُونُ الْحَيَاةِ، وَتُوَضَّحُ مُجْمَلُ الْمَحَامِدِ، وَتُجْلَبُ كُلُّ الْمُحَاسِنِ، وَتَضْرَبُ فِي صَمِيمِ الْمُنْكِرَاتِ وَالْقَبَائِحِ، فَتَزِيلُ كُلُّ مُعْوجٍّ، وَتَجَارَى الْعَصْرُ الْحَاضِرَ وَنَهْضَتْهُ الْمُبَارَكَةُ فِي الِاسْتِقَامَةِ وَالْكَدَّ وَالْجَدِّّ وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَشَرْحْتِهَا بِعِبَارَةِ سَهْلَةٍ يَلْمَحُهَا الْأَدِيبُ فَيُرُوقُهُ وَصْفَهَا، وَيَقْرَؤُهَا الْمُرَبِيُّ فَيُسَايِرُهُ نَهْجُهَا، وَيَنْظُرُهَا الْقَارِئُ السَّاذِجُ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ فَهْمُهَا، وَتَرْوَى مِنَّا نَفْسَهُ. تَرَاهُ يَا أَخِى لِكُلِّ وَاعِظٍ غَنِيَّةً، وَلِكُلٍّ تُقَّى بِغِيَّةٍ، وَلِكُلِّ رَاغِبٍ فِي الدَّيْنِ مُنْيَةً، وَلِكُلِّ خَلْقٍ ثَمَرَةَ غُضَّةٍ (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانً) مَالِئًا نَفْسَ الرَّاغِبِ، سَادَّا جُوعَهُ النَّاهُمَ، وَأَعَدُّّ هَذَا إلْهَامًا، رَاجِيًا مِنْ الْعَلِيمِ سُبْحَانَهُ أَنْ يَهَبَ لِى تَوْفِيقًا، وَيَرْزِقُنِي الْهِدَايَةَ وَالصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ، وَيُمَدَّّنِي بُرُوحٍ مِنْهُ، وَيُظُلُّنِي فِي ظِلَالِ السَّعَادَةِ، وَيَمَدِّنِي بِعِنَايَتِهِ لِأَبْعَدَ مِنْ الزَّلَلِ، فَهُوَ الْهَادِى الْمُسْتَعَانُ (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يَؤْتِ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِي خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذْكَرُ إلَّا أُوَّلُوا الْأَلْبَابَ).
وَحَسْبَك قَوْلُ الْحَافِظِ الْمُنْذِرِيِّ فِي فَائِدَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُسْتَطَابِ سَأَلَنِي بَعْضَ الطَّلَبَةِ الْحِذَّاقَ أُولُو الْهَمَمِ الْعَالِيَةِ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، زَادَهُ اللَّهُ قُرْبًا مِنْهُ وَعَزُوفًا عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، أَنَّ أَمْلَى كِتَابًا جَامِعًا فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مُجَرَّدًا عَنْ التَّطْوِيلِ بِذِكْرِ إسْنَادٍ أَوْ كَثْرَةِ تَعْلِيلٍ؛ فَاسْتَخَرَّت اللَّهُ وَأَسْعَفْتهُ بِطَلَبَتِهِ؛ لِمَا وَقَرَ عِنْدِي مِنْ صَدْقِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout