حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ بَدِينَا الدَّقَّاقُ إِمْلَاءً قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: قَالَ: نا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي إِيَاسَ إِدْرِيسَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ إِدْرِيسُ: ثُمَّ لَقِيتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ فَاطِمَةَ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ فَحَدَّثَنِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ⦗١٠٤٠⦘: وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُفَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ إِمْلَاءً قَالَ: نا إِسْحَاقُ بْنُ دَاوُدَ الْقَنْطَرِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ: نا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ قَالَ: نا إِدْرِيسُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ابْنِ فَاطِمَةَ رضي الله عنهم قَالَ إِدْرِيسُ: ثُمَّ لَقِيتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، فَحَدَّثَنِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يُقَالُ لَهَا: طُوبَى لَوْ يُسَخَّرُ لِلرَّاكِبِ الْجَوَادُ أَنْ يَسِيرَ فِي ظِلِّهَا لَسَارَ مِائَةَ عَامٍ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَهَا، ⦗١٠٤١⦘ وَرَقُهَا وَسَاقُهَا: بُرَودٌ خُضْرٌ، وَزَهْرَتُهَا وَرِيَاضُ صُفْرٌ، وَأَفْنَانُهَا سُنْدُسٌ وَإِسْتَبْرَقٌ، وَثَمَرُهَا: حُلَلٌ خُضْرٌ وَمَاؤُهَا: زَنْجَبِيلٌ وَعَسَلٌ، وَبَطْحَاؤُهَا: يَاقُوتٌ أَحْمَرُ، وَزَبَرْجَدٌ أَخْضَرُ، وَتُرَابُهَا: مِسْكٌ وَعَنْبَرٌ وَكَافُورٌ أَبْيَضُ، وَحَشِيشُهَا زَعْفَرَانٌ مُنِيرٌ، وَالْأَجُوجُ يَتَأَجَّجُ مِنْ غَيْرِ وَقُودٍ، وَيَتَفَجَّرُ مِنْ أَصْلِهَا أَنْهَارُ السَّلْسَبِيلِ وَالْمَعِينِ وَالرَّحِيقِ، وَظِلُّهَا مَجْلِسٌ مِنْ مَجَالِسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثٌ لِجَمْعِهِمْ، فَبَيْنَا هُمْ فِي ظِلِّهَا يَتَحَدَّثُونَ؛ إِذْ جَاءَهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَقُودُونَ نُجُبًا خُلِقَتْ مِنَ الْيَاقُوتِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ مَزْمَومَةً بِسَلَاسِلَ مِنْ ذَهَبٍ، كَأَنَّ وجُوهَهَا الْمَصَابِيحُ نَضَارَةً وَحُسْنًا، وَبَرُهَا مِنْ خَزٍّ أَحْمَرَ وَمِرْعِزَّى أَبْيَضَ، لَمْ يَنْظُرِ النَّاظِرُونَ إِلَىَ مِثْلِهَا حُسْنًا وَبَهَاءً وَجَمَالًا، ذُلُلًا مِنْ غَيْرِ مَهَابَةٍ، نُجُبًا مِنْ غَيْرِ رِيَاضَةٍ، عَلَيْهَا رِحَالٌ أَلْوَاحُهَا مِنَ الدُّرِّ وَالْيَوَاقِيتِ، مُفَضَّضَةٌ بِاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ، صَفَائِحُهَا مِنَ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ مُلْبَسَةٌ بِالْعَبْقَرِيِّ وَالْأُرْجُوَانِ، فَأَنَاخُوا إِلَيْهِمْ تِلْكَ النَّجَائِبَ، ثُمَّ قَالُوا لَهُمْ: إِنَّ رَبَّكُمْ عز وجل يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ، وَيَسْتَزِيدُكُمْ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ⦗١٠٤٢⦘ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ وَيُحَيِّيكُمْ وَتُحَيُّونَهُ، وَيُكَلِّمُكُمْ وَتُكَلِّمُونَهُ، وَيَزِيدُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَسَعَتِهِ، إِنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَفَضْلٍ عَظِيمٍ، فَيَتَحَوَّلُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ انْطَلَقُوا صَفًّا وَاحِدًا مُعْتَدِلًا، لَا يَفُوتُ مِنْ شَيْءٍ شَيْئًا وَلَا يَفُوتُ أُذُنُ نَاقَةٍ أُذُنَ صَاحِبَتِهَا، وَلَا يَمُرُّونَ بِشَجَرَةٍ مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ إِلَا أَكْفَتْهُمْ بِثَمَرَتِهَا، وَرُحِّلَتْ لَهُمْ عَنْ طَرِيقِهِمْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُثْلِمَ صَفَّهُمْ، أَوْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَرَفِيقِهِ، فَلَمَّا رُفِعُوا إِلَى الْجَبَّارِ تبارك وتعالى، أَسْفَرَ لَهُمْ عَنْ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَتَجَلَّى لَهُمْ فِي عَظَمَتِهِ، فَحَيَّاهُمْ بِالسَّلَامِ، فَقَالُوا: رَبَّنَا أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، وَلَكَ حَقُّ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَقَالَ لَهُمْ تبارك وتعالى إِنَّى أَنَا السَّلَامُ، وَمِنًى السَّلَامُ، وَلِي حَقُّ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَمَرْحَبًا بِعِبَادِي الَّذِينَ حَفِظُوا وَصِيَّتِي، وَرَعَوْا عَهْدِي وَخَافُونِي بِالْغَيْبِ، وَكَانُوا مِنِّي عَلَى وَجَلٍ مُشْفِقِينَ، ⦗١٠٤٣⦘ فَقَالُوا: أَمَا وَعِزَّتِكَ وَعَظَمَتِكَ وَجَلَالِكَ وَعُلُوِّ مَكَانِكَ، مَا قَدَرْنَاكَ حَقَّ قَدْرِكَ، وَمَا أَدَّيْنَا إِلَيْكَ كُلَّ حَقِّكَ، فَائْذَنْ لَنَا بِالسُّجُودِ لَكَ، فَقَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ عز وجل: قَدْ وَضَعْتُ عَنْكُمْ مُؤْنَةَ الْعِبَادَةِ، وَأَرَحْتُ لَكُمْ أَبْدَانَكُمْ، فَطَالَمَا أَنْصَبْتُمُ الْأَبْدَانَ، وَأَعْنَيْتُمْ لِيَ الْوُجُوهَ، فَالْآنَ أَفْضُوا إِلَى رُوحِي وَرَحْمَتِي وَكَرَامَتِي، فَسَلُونِي مَا شِئْتُمْ، وَتَمَنَّوْا عَلَيَّ أُعْطِكُمْ أَمَانَيَّكُمْ، فَإِنِّي لَنْ أَجْزِيَكُمُ الْيَوْمَ بِقَدْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَلَكِنْ بِقَدْرِ رَحْمَتِي وَكَرَامَتِي، وَطَوْلِي وَجَلَالِي، وَعُلُوِّ مَكَانِي، وَعَظْمَةِ سُلْطَانِي، فَلَا يَزَالُونَ فِي الْأَمَانِيِّ وَالْعَطَايَا وَالْمَوَاهِبِ، حَتَّى إِنَّ الْمُقْصِرَ مِنْهُمْ فِي أُمْنِيَّتِهِ لَيَتَمَنَّى مِثْلَ جَمِيعِ الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْمِ خَلَقَهَا اللَّهُ عز وجل إِلَى يَوْمِ أَفْنَاهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ عز وجل: لَقَدْ قَصَّرْتُمْ فِي أَمَانِيِّكُمْ وَرَضِيتُمْ بِدُونِ مَا يَحِقُّ لَكُمْ، فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَتَمَنَّيْتُمْ وَأَلْحَقْتُ لَكُمْ وَزِدْتُكُمْ مَا قَصُرَتْ عَنْهُ أَمَانِيُّكُمْ فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاهِبِ رَبِّكُمُ الَّتِي وَهْبَ لَكُمْ، فَإِذَا بِقِبَابٍ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَغُرَفٍ مَبْنِيَّةٍ مِنَ الدُّرِّ وَالْمَرْجَانِ، وَإِذَا أَبْوَابُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَسُرُرُهَا مِنْ يَاقُوتٍ، وَفُرُشُهَا سُنْدُسٌ وَإِسْتَبْرَقٌ، وَمَنَابِرُهَا مِنْ ⦗١٠٤٤⦘ نُورٍ، يَفُورُ مِنْ أَبْوَابِهَا وَأَعْرَاصِهَا نُورٌ، شُعَاعُ الشَّمْسِ عِنْدَهُ مِثْلُ الْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ، فَإِذَا بِقُصُورٍ شَامِخَةٍ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ مِنَ الْيَاقُوتِ يُزْهِرُ نُورُهَا، فَلَوْلَا أَنَّهُ سَخَّرَهَا لَلَمِعَتِ الْأَبْصَارَ، فَمَا كَانَ مِنْ تِلْكِ الْقُصُورِ مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَبْيَضِ فَهُوَ مَفْرُوشٌ بِالْحَرِيرِ الْأَبْيَضِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ، فَهُوَ مَفْرُوشٌ بِالْعَبْقَرِيِّ الْأَحْمَرِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَخْضَرِ فَهُوَ مَفْرُوشٌ بِالسُّنْدُسِ الْأَخْضَرِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَصْفَرِ، فَهُوَ مَفْرُوشٌ بِأُرْجُوَانَ أَصْفَرَ، مَبْثُوثَةٌ بِالزُّمُرُّدِ الْأَخْضَرِ، وَالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ وَالْفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ، وَبُرُوجُهَا وَأَرْكَانُهَا مِنَ الْجَوْهَرِ، وَشُرُفُهَا قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا إِلَى مَا أَعْطَاهُمْ رَبُّهُمْ عز وجل، قُرِّبَتْ لَهُمْ بَرَاذُينٌ مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَبْيَضِ، مَنْفُوخٌ فِيهَا الرُّوحُ، يَجْنُبُهَا الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ، بِيَدِ كُلِّ وَلِيدٍ مِنْهُمْ حَكَمَةُ بِرْذَوْنٍ مِنْ تِلْكَ الْبَرَاذِينِ لُجُمُهَا وَأَعِنَّتُهَا مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءَ، مَنْظُومَةٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، سُرُجُهَا مَفْرُوشَةٌ بِالسُّنْدُسِ وَالْإِسْتَبْرَقِ فَانْطَلَقَتْ بِهِمْ تِلْكَ الْبَرَاذِينُ تَزُفُّ بِهِمْ وَتَطُوفُ بِهِمْ رِيَاضَ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَجَدُوا الْمَلَائِكَةَ قُعُودًا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَنْتَظِرُونَهُمْ لِيَزُورُوهُمْ وَيُصَافِحُوهُمْ، وَيُهَنُّوهُمْ بِكَرَامَةِ رَبِّهِمْ، عز وجل ⦗١٠٤٥⦘ فَلَمَّا دَخَلُوا قُصُورَهُمْ وَجَدُوا فِيهَا جَمِيعَ مَا تَطَوَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ عز وجل مِمَّا سَأَلُوهُ وَتَمَنَّوْا، وَإِذَا عَلَى بَابِ كُلِّ قَصْرٍ مِنْ تِلْكِ الْقُصُورِ أَرْبَعُ جِنَانٍ: جَنَّتَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ، وَجَنَّتَانِ مُدْهَامَّتَانِ، فِيهَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ، وَفِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ، وَحُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ فَلَمَّا تَبَوَّءُوا مَنَازِلَهُمْ وَاسْتَقَرَّ قَرَارُهُمْ قَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ عز وجل: ﴿هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾؟ قَالُوا: نَعَمْ " قَالَ: أَفَرَضِيتُمْ بِمَوَاهِبِ رَبِّكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَضِينَا رَبَّنَا، فَارْضَ عَنَّا قَالَ: فَبِرِضَايَ عَنْكُمْ حَلَلْتُمْ دَارِي، وَنَظَرْتُمْ إِلَى وَجْهِيَ الْكَرِيمِ، وَصَافَحْتُمْ مَلَائِكَتِي، فَهَنِيئًا هَنِيئًا لَكُمْ، ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، لَيْسَ فِيهِ تَنْقِيصٌ وَلَا تَصْرِيمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ، وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ⦗١٠٤٦⦘: هَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا مَعَ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ عز وجل، فَالْإِيمَانُ بِهَذَا وَاجِبٌ، فَمَنْ آمَنَ بِمَا ذَكَرْنَا؛ فَقَدْ أَصَابَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ كَذَّبَ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عز وجل لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ كَفَرَ بِهَذَا، فَقَدْ كَفَرَ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِهَا، وَسَنُبَيِّنُ جَمِيعَ مَا يَكْذِبُ بِهِ الْجَهْمِيُّ فِي كِتَابٍ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنِ اعْتَرَضَ بَعْضُ مَنْ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَهُمْ فِي غَيِّهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل لَا يُرَى فِي الْقِيَامَةِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ ⦗١٠٤٧⦘ وَجَلَّ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرِ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فَجَحَدَ النَّظَرَ إِلَى اللَّهِ عز وجل بِتَأْوِيلِهِ الْخَاطِئِ لِهَذِهِ الْآيَةِ قِيلَ لَهُ: يَا جَاهِلُ إِنَّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَجَعَلَهُ الْحُجَّةَ عَلَى خَلْقِهِ، وَأَمَرَهُ بِالْبَيَانِ لِمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ هُوَ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهَا مِنْكَ يَا جَهْمِيُّ، هُو الَّذِي قَالَ لَنَا: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عز وجل كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ» فَقَبِلْنَا عَنْهُ مَا بَشَّرَنَا بِهِ مِنْ كَرَامَةِ رَبِّنَا عز وجل عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، مِنَ الْأَخْبَارِ الصِّحَاحِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْعِلْمِ، ثُمَّ فَسَّرَ لَنَا الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم بَعْدَهُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] فَسَّرُوهُ عَلَى النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عز وجل، وَكَانُوا بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَبِتَفْسِيرِ مَا احْتَجَجْتُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ عز وجل ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أَعْرَفَ مِنْكَ، وَأَهْدَى مِنْكَ سَبِيلًا، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَسَّرَ لَنَا قَوْلَ اللَّهِ عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا عِنْدَ صَحَابَتِهِ رضي الله عنهم، ⦗١٠٤٨⦘ فَاسْتَغْنَى أَهْلُ الْحَقِّ بِهَذَا، مَعَ تَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عز وجل، وَقَبِلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ أَحْسَنَ قَبُولٍ وَكَانُوا بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ الَّتِي عَارَضْتَ بِهَا أَهْلَ الْحَقِّ أَعْلَمَ مِنْكَ يَا جَهْمِيُّ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قِيلَ لَهُ: مَعْنَاهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَيْ: لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ، وَلَا تَحْوِيهِ عز وجل، وَهُمْ يَرَوْنَهُ مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكٍ وَلَا يَشُكُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: رَأَيْتُ السَّمَاءَ وَهُوَ صَادِقٌ، وَلَمْ يُحِطْ بَصَرُهُ بِكُلِّ السَّمَاءِ، وَلَمْ يُدْرِكْهَا وَكَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: رَأَيْتُ الْبَحْرَ، وَهُوَ صَادِقٌ وَلَمْ يُدْرِكْ بَصَرُهُ كُلَّ الْبَحْرِ، وَلَمْ يُحِطْ بِبَصَرِهِ، هَكَذَا فَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ، إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout