وَكَانَتْ امْرَأَةٌ تَقِيَّةً صَالِحَةً لَا تَقُلُّ تَقَى وَوَرَّعًَا عَنْ وَالِدِهِ، حَتَّى عَدَّهَا الْمُؤَرِّخُونَ مِنْ ذَوِي الْكَرَامَةِ وَالْوِلَايَةِ.
قَالَ الْحَافِظُ: "روِى غَنْجَارٌ فِي "تَارِيخِ بُخَارَى"، وَاللَّاَلْكَائِيُّ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" فِي بَابِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ فِي صِغَرِهِ، فَدَعَتْ أُمُّهُ اللََّّه كَثِيرًٌا حَتَّى رَأَتْ الْخَلِيلَ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهَا: "يَا هَذِهِ قَدْ رَدَّ اللََّّه عَلَى ابْنِك بَصَرَهُ بِكَثْرَةِ دُعَائِكَ". قَالَ: فَأَصْبَحُ وَقَدْ رَدَّ اللََّّه عَلَيْهِ بَصَرَهُ" (^١).
وقد روى هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَيْضًَا الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ فِي "طبَقَاتِهِ" (^٢)، والذهبِي فِي "سِير النُّبْلاَءُ" (^٣)، و"تارِيخ الإِسلام" (^٤).
في كنفَ هَذِهِ الأَسْرَةِ الْكَرِيمَةَ نَشَأَ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِعَايَةِ هَذِهِ الأُمِّ الْفَاضِلَةِ أَخَذَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْكِتَابِ، يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَأُمَّهَاتُ الْكُتُبِ الْمَعْرُوفَةِ فِي زَمَانِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْعَاشِرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، بَدَأَ فِي حِفْظِ الْحَدِيثِ، وَالِاخْتِلَافِ إِلَى الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ، وَمُلَازَمَةُ حَلَقَاتِ الدُّرُوسِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذْتْ مُيُولَهُ تَظْهَرُ، وَمَدَارَكَهُ تَتَفَتَّحُ.
فَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ (^٥) أنهُ قَال: "قُلتُ للبُخَارِيِّ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ؟ فَقَالَ: أَلَهَمْتُ حِفْظَ الْحَدِيثَ فِي الْمُكْتَبِ وَلِي عَشْرَ سَنَوَاتٍ أَوْ أَقَلَّ، ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْ الْمُكْتُبِ بَعْدَ الْعَشْرِ، فَجَعَلَتْ أَخْتَلِفُ إِلَى الدَّاخِلِيِّ".
1 "مقدمة فتح الباري" (ص: ٤٧٨).
2 "طبقات الشافعية الكبرى" (٢/ ٢١٦).
3 (١٢/ ٣٩٣).
4 (١٩/ ٢٤٢، ٢٤٣).
5 "طبقات الشافعية الكبرى" (٢/ ٢١٦)، و"سير النبلاء" (١٢/ ٣٩٣)، و"تاريخ الإسلام" (١٩/ ٢٤٣).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout