رَحِلَ إلَى الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، فَحَدَثَ عَنْهُمْ وَأَخَذَ مِنْهُمْ، رَوَى سَمَاعًًا عَنْ "مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ"، وَ"حْمَادُ بْنُ زَيْدٍ"، وَصَحَّبَ "عَبْدِ اللََّّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ"، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ وَلَدُهُ فِي كِتَابِهِ "التَّارِيخِ الْكَبِيرَ" (^١)، وابن حِبَّانَ فِي كِتَابِهِ "الثِّقَاتِ" (^٢).
وروى عنهُ الْعِرَاقِيُّونُ؛ مِنْهُمْ: أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَنَصَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَيَكْفِي هَذَا الْوَالِدُ شَرَفًٌا وَفَخَرًَا أَنَّ اللََّّه أَجْزَلُ مُكَافَأَتَهُ وَعَطَاءَهُ عَلَى فَضْلِهِ وَعَفَّتِهِ، فَرِزَقَهُ وَلَدًٍا هُوَ "الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ"، فَقَدْ كَانَ وَالِدًا الْبُخَارِيُّ مِنَ الصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى بِمَكَانَةِ عَالِيَّةٍ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
وَلدُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ صَلَاَةِ الْجُمُعَةِ، فِي الثَّالِثِ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ شَوَّالٍ عَامَ أَرْبَعَةً وَتِسْعِينَ وَمِائَةً لِلْهِجْرَةِ.
وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ بِمَدِينَةٍ بُخَارَى مِنْ خُرَاسَانَ، مُوطِنَ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ، وَهِيَ مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ بِلَادِ التَّرَكُّسَتَانِ، وَقَدْ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ مُنْتَصِفِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ لِلْهِجْرَةِ، وَهِيَ مُرْكَزٌ عِلْمِي هَامٍ، وَحَاضِرَةٌ مِنْ حَوَاضِرِ الْإِسْلَاَمِ.
اسْتَقْبَلَ الْبُخَارِيُّ حَيَاتَهُ وَسَطَ أَسْرَةَ ثَرِيَّةً مُتَدِينَةً فَاضِلَةً؛ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: لَا أَعْلَمُ مِنْ مَالِي دِرْهَمًا مِنْ حَرَامٍ، وَلَا دِرْهَمًا مِنْ شُبْهَةٍ. وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ كَانَ لَهُ أَكْبَرُ الْأَثَرِ فِي الْمَكَانَةِ الَّتِي وَصَلَ إلَيْهَا الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ، غَيْرَ أَنَّ الْمُنْيَةَ لَمْ تَمْهَلْ وَالِدُهُ، حَيْثُ تُوُفِّيَ وَابْنُهُ مُحَمَّدٌ طِفْلً، فَكَفَلَتُهُ أُمُّهُ وَرَعَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
1 (١/ ٣٤٢).
2 (٨/ ٩٨).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout