لقد ظَهَرَ نُبُوغُ الْبُخَارِيُّ مُبَكِّرًا؛ فَقَدْ حَفِظَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمَ وَهُوَ دُونَ التِّسْعِ، وَبَدَأَ فِي حِفْظِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ سِنِينَ، ثُمَّ أَخَذَ فِي الرِّوَايَةِ، وَحِفْظَ أَغْلَبُ أُمَّهَاتٍ كُتُبَ الْحَدِيثِ وَهُوَ ابْنُ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَا عَجَبَ أَنْ نَرَاهُ يَبْدَأُ التَّأْلِيفَ وَهُوَ دُونَ الثَّامِنَةِ عَشَرَةٌ مِنْ عُمْرِهِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
روَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "لمَّا طَعَنْتُ فِي ثَمَانِي عَشَرَةَ صَنَفْتُ كِتَابٌ "قِضَايَا الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ"، ثُمَّ صَنَفْتُ "التَّارِيخُ" فِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَكُنْتُ أَكْتُبُهُ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ، وَقَلَّ اسْمٌ فِي "التَّارِيخِ" إِلَّا وَلَهُ عِنْدِي قِصَّةً، إِلَّا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ يَطُولَ الْكِتَابَ" (^١)
وقد هَيْأَهُ لِلتَّأْلِيفِ وَالْكِتَابَةِ وَأَعَانَهُ عَلَيْهَا ذَكَاؤُهُ الْحَادَّ، وَحِفْظَهُ الْوَاسِعُ النَّادِرَ، وَذَهَنَهُ السِّيَالُ الْمُتَوَقِّدُ، وَمَعْرِفَتُهُ الْعَمِيقَةُ الْوَاسِعَةُ بِأَحْوَالِ الرِّجَالِ: مِنْ تَعْدِيلٍ وَتَجْرِيحٍ، وَالأَسَانِيدِ: مِنْ صَحِيحٍ وَسَقِيمٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ السُّبْكِيّ فِي "طَبَقَاتِهِ" قِصَّةُ الْبُخَارِيِّ مَعَ سُلَيْمِ بْنِ مُجَاهِدِ بْنِ يَعِيشٍ الْخَدِيمَنْكَنِيّ، وَاَلَّتِي تُنْبِئُ عَنْ سَعَةِ حِفْظِهِ، حَتَّى بَلَغَتْ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٌ، فَكَانَ جَوَابُ الْبُخَارِيِّ: "نعَمْ وَأَكْثَرُ، وَلَا أُجِيئِكَ بِحَدِيثٍ عَنِ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ إِلَّاَّ عَرَفْتْ مُوْلِدُ أَكْثَرِهُمْ، وَوَفَاتِهُمْ، وَمَسَاكِنِهُمْ، وَلَسْتُ أُرْوِي حَدِيثًَا مِنْ حَدِيثِ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ إِلَّاَّ وَلِي فِي ذَلِكَ أَصْلٌ أَحْفَظِهُ حِفْظًُا عَنْ كِتَابِ اللََّّه، أَوْ سَنَةَ رَسُولِ اللََّّه صلى الله عليه وسلم" (^٢).
1 "مقدمة فتح الباري" (ص: ٤٧٨).
2 "طبقات الشافعية" (٢/ ٢١٨).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout