وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: "جَبِل الْحِفْظُ، وَإِمَامُ الدُّنْيَا فِي فِقْهِ الْحَدِيثِ" (^١).
وقال الحَافِظ السخاوِي: "وَمَنْ تَأَمَّلَ اخْتِيَارَاتَهُ الْفِقْهِيَّةَ فِي "جَامِعِهِ" عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُجْتَهِدًٌا، مُوَفِّقًًا، مُسَدَّدًًا، وَإِنْ كَانَ كَثِيرُ الْمُوَافَقَةِ لِلشَّافِعِيِّ" (^٢).
رحل البُخارِيُّ كثِيرًا، وَطُوفٌ بِالْأَمْصَارِ وَالْأَقَالِيمِ وَالْحَوَاضِرِ الْعِلْمِيَّةِ، فَلَقِيَ أَغْلَبُ الْمُحَدِّثِينَ فِي زَمَانِهِ، وَأَخَذَ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ الْمَشْهُورِينَ فِي عَصْرِهِ، فَاتَّسَعْتْ مَدَارِكَهُ، وَكَثُرَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ، وَكَانَ يَنْتَقِي شُيُوخُهُ، وَيَتَحَرَّى فِي اخْتِيَارِهِمْ، وَاضِعًَا لِنَفْسِهِ خُطَّةً وَنَهْجًٌا فِي ذَلِكَ؛ حَتَّى لَا يَأْخُذَ إِلَّا عَنْ الثِّقَاتِ.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: "وَرُوِّينَا مِنْ جِهَاتٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَطَّانِ قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: كَتَبْتُ عَنْ أَلْفِ ثِقَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَزِيَادَةٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي حَدِيثٌ لَاَ أَذْكُرُ إِسْنَادَهُ" (^٣).
وليس مَعْنِى ذَلِكَ أَنَّ اخْتِيَارَهُ لِشُيُوخِهِ، وَتَثْبِتُهُ فِي الْأَخْذِ عَنْهُمْ، جَعَلَهُ قَلِيلَ الشُّيُوخِ، بَلْ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَكْثَرَ مِنْ الْأَخْذِ مِنْ الشُّيُوخِ وَالرِّوَايَةِ عَنْهُمْ، حَتَّى تَجَاوَزُوا الْأَلْفَ.
قَال الْبُخَارِيُّ: "كَتَبْتُ عَنْ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ نَفْسًَا، لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّاَّ صَاحِبٌ حَدِيث" (^٤).
1 "تقريب التهذيب" (ص: ٤٦٨).
2 "عمدة القارئ والسامع" (ص: ٥٩).
3 "مقدمة شرح البخاري" للنووي (ص: ٣٦).
4 "مقدمة فتح الباري" (ص: ٤٧٩).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout