الْمُقَدِّمَةُ
اعْلِم، عَلِمَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ آثَارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ فِي عَصْرِ أَصْحَابِهِ وَكِبَارٍ تَبِعَهُمْ مُدَوَّنَةً فِي الْجَوَامِعِ وَلَا مَرْتَبَةً لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا إنَّهُمْ كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْحَالِ قَدْ نَهُوْا عَنْ ذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ خَشْيَةَ أَنْ يَخْتَلِطَ بَعْضَ ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَثَانِيهِمَا لِسْعَةِ حِفْظِهِمْ وَسِيَلَانُ أَذْهَانِهِمْ وَلِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَابَةَ ثُمَّ حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ تَدْوِينِ الْآثَارِ وَتَبْوِيبِ الْأَخْبَارِ لَمَّا انْتَشَرَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَمْصَارِ وَكَثُرَ الِابْتِدَاعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَمُنْكَرِي الْأَقْدَارِ فَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ ذَلِكَ الرَّبِيعُ بْنُ صُبِيْحٍ (^١) وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ (^٢) وَغَيْرُهُمَا وَكَانُوا يُصْنِّفُونَ كُلَّ بَابٍ عَلَى حِدَةٍ إلَى أَنْ قَامَ كِبَارُ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ فَدُونُوا الْأَحْكَامَ فَصِنَّفَ الْإِمَامُ مَالِكٌ الْمُوَطَّأِ وَتُوخَى فِيهِ الْقَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمُزَجِّهُ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَفَتَاوَى التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَصِنْفٍ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ بِمَكَّةَ وَأَبُو عُمَرَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ بِالشَّامِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ بِالْكُوفَةِ وَأَبُو سَلَمَةَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ بِالْبَصْرَةِ ثُمَّ تَلَاهُمْ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِمْ فِي النَّسْجِ عَلَى مِنْوَالِهِمْ إلَى أَنْ رَأَى بَعْضَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَنْ يُفْرِدَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ فَصَنْفَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ مُسْنَدًا وَصِنْفُ مُسَدَّدِ بْنُ مُسْرْهِدٍ الْبَصْرِيُّ مُسْنَدًا وَصِنْفُ أَسَدِ بْنُ مُوسَى الْأُمَوِيُّ مُسْنَدًا وَصِنْفٌ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ نَزِيلٌ مِصْرَ مُسْنَدًا ثُمَّ اقْتَفَى الْأَئِمَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ أَثَرَهُمْ فَقُلْ إمَامٌ مِنْ الْحُفَّاظِ إلَّا وَصِنْفَ حَدِيثِهِ عَلَى الْمَسَانِيدِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ النُّبَلَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ صِنْفٍ عَلَى الْأَبْوَابِ وَعَلَى الْمَسَانِيدِ مَعًا كَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَلَمَّا رَأَى الْبُخَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ التَّصَانِيفَ وَرَوَاهَا وَانْتَشَقَ رِيَاهَا وَاسْتَجْلَى مُحْيَاهَا وَجَدَهَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ جَامِعَةً بَيْنَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّصْحِيحِ وَالتَّحْسِينِ وَالْكَثِيرِ مِنْهَا يَشْمَلُهُ التَّضْعِيفُ فَلَا يُقَالُ لَغَثَهُ سِمِينٌ فَحَرَّكَ هِمَّتَهُ لِجَمْعِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا يَرْتَابُ فِيهِ أَمِينٌ وَقَوَى عَزْمُهُ عَلَى ذَلِكَ مَا سَمِعَهُ مِنْ أُسْتَاذِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ اللُّؤْلُؤِيُّ عَنْ الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمُزِّيِّ أَخْبَرَنَا
1 مجاهد صالح توفي غازيا في بحر السند سنة ١٦٠ ودفن في جزيرة. له ترجمة في تهذيب التهذيب
2 وفاته سنة ١٥٦ له ترجمة في ترجمة في تهذيب التهذيب
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout