وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)، قِيلَ: أَيْ كَمَا خَذَلْنَا عُصَاةَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ حَتَّى اسْتَمْتَعَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا، أَيْ: نُسَلِّطُ بعض الظالمين عَلَى بَعْضٍ، فَنَأْخُذُ مِنَ الظَّالِمِ بِالظَّالِمِ.
«٨٩٣» كَمَا جَاءَ: «مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» . وَقَالَ قَتَادَةُ: نَجْعَلُ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ، فَالْمُؤْمِنُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِ أَيْنَ كَانَ، وَالْكَافِرُ وَلِيُّ الْكَافِرِ حَيْثُ كَانَ. وروى معمر عن قتادة: يتبع بَعْضَهُمْ بَعْضًا فِي النَّارِ، مِنَ الْمُوَالَاةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نُوَلِّي ظَلَمَةَ الْإِنْسِ ظَلَمَةَ الْجِنِّ، وَنُوَلِّي ظَلَمَةَ الْجِنِّ ظَلَمَةَ الْإِنْسِ، أَيْ: نَكِلُ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النِّسَاءِ: ١١٥] .
وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي تَفْسِيرِهَا هُوَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ خَيْرًا وَلَّى أَمْرَهُمْ خِيَارَهُمْ، وَإِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ شَرًّا وَلَّى أَمْرَهُمْ شِرَارُهُمْ.
قوله عز وجل: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
، واختلفوا في الْجِنَّ هَلْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ رَسُولٌ، فَسُئِلَ الضَّحَّاكُ عَنْهُ، فَقَالَ: بَلَى أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
، يَعْنِي: بِذَلِكَ رُسُلًا مِنَ الْإِنْسِ وَرُسُلًا مِنَ الْجِنِّ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَتِ الرُّسُلُ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم يُبْعَثُونَ إِلَى الإنس والجنّ جَمِيعًا [١]، قَالَ مُجَاهِدٌ: الرُّسُلُ مِنَ الْإِنْسِ وَالنُّذُرُ مِنَ الْجِنِّ، ثُمَّ قَرَأَ: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الْأَحْقَافُ: ٢٩]، وَهُمْ قَوْمٌ يَسْمَعُونَ كَلَامَ الرُّسُلِ فَيُبَلِّغُونَ الْجِنَّ مَا سَمِعُوا، وَلَيْسَ لِلْجِنِّ رُسُلٌ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (رُسُلٌ مِنْكُمْ) يَنْصَرِفُ إِلَى أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ وَهُمُ الْإِنْسُ، كَمَا قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرَّحْمَنِ: ٢٢]، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمِلْحِ دُونَ العذب، وقال: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نُوحٌ: ١٦]، وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَمَاءٍ وَاحِدَةٍ، قُصُّونَ عَلَيْكُمْ
، أي: يقرون عليكم، اتِي
، كتبي يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا
، وَهُوَ يَوْمُ القيامة، الُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
، أَنَّهُمْ قَدْ بُلِّغُوا، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَذَلِكَ حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ بِالشِّرْكِ وَالْكُفْرِ. قال الله عز وجل: غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
، حَتَّى لَمْ يُؤْمِنُوا، شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ.
1 ٨٩٣- باطل. أخرجه ابن عساكر كما ذكر ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٢٢٥) من حديث ابن مسعود، واستغربه ابن كثير، وفيه العدوي يضع الحديث. وذكره السخاوي في «المقاصد» ١٠٦٣ فقال: أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» من جهة الحسن بن علي بن زكريا عن سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي به. قال: وابن زكريا هو العدوي، متهم بالوضع، فهو آفته وذكره الديلمي بلا سند عن ابن مسعود، وبالجملة فمعناه صحيح اهـ. وليس كما قال السخاوي رحمه الله معناه صحيح، فكم من معين لظالم لم يسلط عليه، بل استمرّا حتى أخذهما الله أخذ عزيز مقتدر، والصحيح أنه ربما سلط عليه. (١) زيد في المطبوع وحده هاهنا «ومحمد الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم يبعث إلى الجن والإنس كافة» . وعبارة «الكشاف» (٢/ ٦٦): وعن الكلبي «كانت الرسل قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم إلى الإنس، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس» .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout