إنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنُتُوبُ إلَيْهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللََّّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا.
وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرسِلهُ بِالْهُدِىِّ وَدِيْنُ الْحَقِّ لِيَظْهَرَ، عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذكره أَنْزَل الْقُرْآنُ مُؤَلِّفًا مِنْظِمًا، وَنَزَّلَهُ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ مُنَجَّمًا، وَجَعَلَهُ بِالتَّحْمِيدِ مُفْتَتِحًا، وَبِالِاسْتِعَاذَةِ مُخْتَتِمًا.
أَوْحَاهُ عَلَى قِسْمَيْنِ مُتَشَابِهَا وَمُحَكِمًا، وَفَصَّلَهُ سُورًا وَسُورَهُ آيَاتٍ، وَمَيِّزَ بَيْنَهُنَّّ بِفُصُولٍ وَغَايَاتٍ، وَمَا هِيَ إِلَّا صِفَاتٌ مُبْتَدِئٌ مُبْتَدِعً.
وَسَمَاتٍ مُنْشِئٍ مُخْتَرِعٍ.
فَسُبْحَانَ مِنَ الْمُسْتَأْثِرِ بِالْأَوَّلِيَّةِ وَالْقَدَمِ. وَوَسْمِ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ بِالْحُدُوثِ وَالْعَدَمِ، أَنْشَأَهُ كِتَابًا سَاطِعًا تَبْيَانُهُ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، مُفْتَاحًا لِلْمَنَافِعِ الدِّيْنِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبُ السَّمَاوِيَةُ، مُعْجَزًا بَاقِيًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ زَمَانَ، أَفْحَمَ بِهِ مِنْ طُولِبَ بِمُعَارَضَتِهِ مِنْ الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ، وَعَنِ الْإِتْيَانِ بِسُورَةِ مِثْلِهِ مِنْ الْخُطْبَاءِ الْفُصْحَاءَ، ثُمَّ سَهَلَ عَلَى الْخَلْقِ تِلَاوَتُهُ.
جَعْلُ أَمْثَالَهُ عَبْرًا لِمَنْ تَدَبَّرْهَا، وَأَوَامِرُهُ هُدًى لِمَنْ اسْتَبْصَرَهَا، وَشَرْحَ فِيهِ وَاجِبَاتُ الْأَحْكَامِ، وَفَرَّّقٌ فِيهِ بَيْنَ الْحَلَاَلِ وَالْحَرَامِ، وَكَرَّّرٍ فِيهِ الْمَوَاعِظُ وَالْقِصَصُ لِلْأَفْهَامِ، وَضَرَبَ فِيهِ الْأَمْثَالُ وَقَصَّ فِيهِ غَيْبُ الْأَخْبَارِ.
ثم لَمْ يَرْضَ مِنْهَا بِرْدِّّ حُرُوفِهِ دُونَ حِفْظِ حُدُودِهِ، وَلَا بِإِقَامَةِ كَلِمَاتِهِ دُونَ الْعَمَلِ بِمُحْكَمَاتِهِ وَلَا بِتِلَاوَتِهِ دُونَ تَدَبُّرِ آيَاتِهِ، وَلَا بِدِرَاسَتِهِ دُونَ تَعَلُّمِ حَقَائِقِهِ، وَتُفْهَمُ دَقَائِقُهُ.
وَلَا حُصُولَ لِهَذِهِ الْمَقَاصِدِ مِنْهُ إلَّا بِدِرَايَةِ تَفْسِيرِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَعْرِفَةُ حَلَاَلِهِ وَحَرَامِهُ، وَأَسْبَابِ نُزُولِهِ وَأَقْسَامِهُ، وَالْوُقُوفُ عَلَى نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، فِي خَاصِّهِ وَعَامَّهُ، فَإِنَّهُ أَرْسَخُ الْعُلُومَ أَصْلًا، وَأَسْبَغُهَا فَرْعًا وَفَصْلًا، وَأَكْرَمُهَا نِتَاجًا، وَأُنُورَهَا سِرَاجًا، فَلَا شَرَفَ إِلَّا وَهُوَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ، وَلَا خَيْرَ إِلَّاَّ وَهُوَ الدَّالُّ عَلَيْهِ.
مِنْ حَكَمَ بِهِ عَدْلٌ، وَمَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمتِينِ، وَنُورُهُ الْمُبِيِّنُ، وَالذَّكَرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلا تَتَشَعِبُ مَعَهُ الْآرَاءُ، وَلَا يَمِلُّهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يُخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ.
من علم علمه سبق، وَمَنْ قَالَ بِهِ صِدْقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عَمِلُ بِمَا فِيهِ أَجْرٌ، وََمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صراط مُسْتَقِيم.
وَقَدْ قَيضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ رِجَالًا مُوَفِّقِينَ، وَبِالْحَقِّ نَاطِقِينَ، حَتَّى صَنَفُوا فِي سَائِرِ عُلُومِهِ الْمُصَنَّفَاتِ، وَجَمَعُوا فِي سَائِرِ فَنُونُهُ الْمُتَفَرِّقَاتِ، كُلٌّ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ، وَمَبْلَغِ علمه.
أ- فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ عُمْدْتَهُ الْحَدِيثَ وَالْأَثَرَ، كَالْإِمَامِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّامٍ الْمُتَوَفَّى سَنَةً (٢١١) والإِمامِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout