فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْإِسْلَامِ هُوَ إتْبَاعُ الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا نَبَّهَ عَلَى وَصْفِ غَيْرِ الْوَصْفِ الْآخَرِ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ " صِرَاطٌ " يُشْعِرُ بِوَصْفٍ ثَالِثً، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولُهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَشَارُوا إلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنْ وَصْفَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا.
الصِّنْفِ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ مِنْهُمْ مِنْ الِاسْمِ الْعَامِّ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَتَنْبِيهٌ الْمُسْتَمِعُ عَلَى النَّوْعِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ، مِثْلُ سَائِلِ أَعْجَمِيٍّ سَأَلَ عَنْ مُسَمَّى [لَفْظِ الْخُبْزِ] فَأَرَى رَغِيفًًا، وَقِيلَ لَهُ: هَذَا، فَالْإِشَارَةُ إلَى نَوْعِ هَذَا لَا إلَى هَذَا الرَّغِيفِ وَحْدَهُ مِثَالُ ذَلِكَ: مَا نُقِلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أََوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]
فمَعُلُومُ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ يَتَنَاوَلُ الْمُضِيعَ لِلْوَاجِبَاتِ، وَالْمُنْتَهِكِ لِلْمُحَرَّمَاتِ، وَالْمُقْتَصِدِ يَتَنَاوَلُ فَاعِلُ الْوَاجِبَاتِ وَتَارِكَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالسَّابِقِ يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ سَبَقٍ فَتَقَرَّبُ بِالْحَسَنَاتِ مَعَ الْوَاجِبَاتِ، فَالْمُقْتَصِدُونَ هُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعة: ١٠، ١١]
ثم إِنَّ كَلا مِنْهُمْ يَذْكُرُ هَذَا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: السَّابِقِ الَّذِي يُصَلِّي فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْمُقْتَصِدِ الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ، وَالظَّالِمِ لِنَفْسِهِ الَّذِي يُؤَخِّرُ الْعَصْرُ إلَى الِاصْفِرَارِ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: السَّابِقُ وَالْمُقْتَصِدُ وَالظَّالِمُ قَدْ ذَكَرَهُمْ فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout