...
الكفالة: هِي الضَّمُّ لُغَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ُوَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:٣٧] ثم قِيل: هِيَ ضَمُّ الذِّمَّةِ إِلَى الذِّمَّةِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَقِيلَ فِي الدِّينِ، وَالْأَوَّلِ أَصَحَّ.
قَال: "الْكفَالةُ ضَرْبَانُ: كَفَالَةٌ بِالنَّفْسِ، وَكَفَالَةٌ بِالْمَالِ. فَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ وَالْمَضْمُونُ بِهَا إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ" وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ كَفَلٌ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِ الْمَكْفُولِ بِهِ، بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى مَالِ نَفْسِهِ. وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" وَهَذَا يُفِيدُ مَشْرُوعِيَّةَ الْكَفَالَةِ بِنَوْعَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ بِطَرِيقِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ مَكَانَهُ فَيُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَوْ يَسْتَعِينَ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ وَالْحَاجَةِ مَاسَّةٌ إلَيْهِ، وَقَدْ أَمْكَنَ تَحَقُّقُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ وَهُوَ الضَّمُّ فِي الْمُطَالَبَةِ فِيهِ.
قَال: "وَتَنْعَقِدُ إذَا قَالَ تَكَفَّلْتُ بِنَفْسِ فُلَانٍ أَوْ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِرُوحِهِ أَوْ بِجَسَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ وَكَذَا بِبَدَنِهِ وَبِوَجْهِهِ" لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يُعَبِّرُ بِهَا عَنْ الْبَدَنِ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ عُرْفًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، كَذَا إذَا قَالَ بِنِصْفِهِ أَوْ بِثُلُثِهِ أَوْ بِجُزْءٍ مِنْهُ لِأَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ فِي حَقِّ الْكَفَالَةِ لَا تَتَجَزَّأُ فَكَانَ ذِكْرُ بَعْضِهَا شَائِعًا كَذِكْرِ كُلِّهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ تَكَفَّلْت بِيَدِ فُلَانٍ أَوْ بِرِجْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يُعَبِّرُ بِهِمَا عَنْ الْبَدَنِ حَتَّى لَا تَصِحَّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهِمَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ تَصِحُّ "وَكَذَا إذَا قَالَ ضَمِنْته" لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُوجِبِهِ "أَوْ قَالَ" هُوَ "عَلِي" لِأَنَّهُ صِيغَةُ الِالْتِزَامِ "أَوْ قَالَ إلَيَّ" لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى عَلَيٍّ فِي هَذَا الْمَقَامِ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كُلًّا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ" "وَكَذَا إذَا قَالَ أَنَا زَعِيْمٌ بِهِ أَوْ قُبِيلٌ بِهِ" لِأَنَّ الزَّعَامَةَ هِيَ الْكَفَالَةُ وَقَدْ رَوِّيْنَا فِيهِ. وَالْقَبِيلُ هُوَ الْكَفِيلُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الصَّكُّ قُبَالَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لِمَعْرِفَتِهِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمَعْرِفَةُ دُونَ الْمُطَالَبَةِ.
قَال: "فَإِنْ شَرَطَ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ تَسْلِيمُ الْمَكْفُولِ بِهِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ إحْضَارُهُ إذَا طَالَبَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ" وَفَاءً بِمَا الْتَزَمَهُ، "فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ"، لِامْتِنَاعِهِ عَنْ إيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَحْبِسُهُ أَوَّلُ مَرَّةٍ لَعَلَّهُ مَا دَرَى لِمَاذَا يَدَّعِي. وَلَوْ غَابَ الْمَكْفُولُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout