قَال أَبُو عَلِيِّ بْنُ سَينَا: إِنَّ لِلْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ مَوْضُوعًا يَنْظَرُ فِيهِ وَفِي لَوَاحِقِهِ كَسَائِرِ الْعُلُومِ، وَمَوْضُوعِهِ: الْأَجْسَامُ الْمَوْجُودَةُ بِمَا هِيَ وَاقِعَةٌ فِي التَّغَيُّرِ، وَبِمَا هِيَ مَوْصُوفَةٌ بِأَنْحَاءِ الْحَرَكَاتِ وَالسُّكُونَاتِ، وَأَمَّا مَبَادِئُ هَذَا الْعِلْمِ كَمِثْلِ تَرَكَبِ الْأَجْسَامِ عَنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَالْقَوْلُ فِي حَقِيقَتِهِمَا، وَنِسْبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الثَّانِي، فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الْعِلْمِ الْإِلَهِيَ. وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ مِنْ ذَلِكَ التَّرَكُّبِ بِالْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ هُوَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْأَجْسَامَ الطَّبِيعِيَّةَ مِنْهَا أَجْسَامٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَجْسَامٍ إمَّا مُتَشَابِهَةُ الصُّوَرِ كَالسَّرِيرِ، وَإِمَّا مُخْتَلِفَتُهَا كَبَدَنِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْهَا أَجْسَامٌ مُفْرَدَةً. وَالْأَجْسَامُ الْمُرَكَّبَةُ لَهَا أَجْزَاءٌ مَوْجُودَةٌ بِالْفِعْلِ مُتَنَاهِيَةً، وَهِيَ تِلْكَ الْأَجْسَامِ الْمُفْرَدَةُ الَّتِي مِنْهَا تَرْكَبَت، وَأَمَّا الْأَجْسَامُ الْمُفْرَدَةُ فَلَيْسَ لَهَا فِي الْحَالِ جُزْءٌ بِالْفِعْلِ وَفِي قُوتِهَا أَنْ تَتَجَزَّأَ أَجْزَاءَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةِ كُلٍّ مِنْهَا أَصْغَرَ مِنْ الْآخَرِ. وَالتَّجَزُّؤُ إمَّا بِتَفْرِيقِ الِاتِّصَالِ، وَإِمَّا بِاخْتِصَاصِ الْعَرْضِ بِبَعْضٍ مِنْهُ، وَإِمَّا بِالتَّوَهُّمِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَالْجِسْمُ الْمُفْرَدُ لَا جُزْءَ لَهُ بِالْفِعْلِ. قَالَ: وَمَنْ أَثْبَتَ الْجِسْمَ مُرَكَّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ لَا تَتَجَزَّأُ بِالْفِعْلِ؛ فَبُطْلَانُهُ بِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مَسَّ جُزْءًا فَقَدْ شَغَلَهُ بِالْمَسَ، وَكُلُّ مَا شَغِلَ شَيْئًا بِالْمَسِّ فَإِمَّا أَنْ يَدَعَ فِرَاغًا عَنْ شُغْلِهِ لِجِهَةٍ أَوْ لَا يَدَّعَ، فَإِنْ تَرَكَ فِرَاغًا فَقَدْ تَجْزَأُ الْمَمْسُوسُ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ فِرَاغًا فَلَا يَتَأَتَّى أَنَّ يُمَاسَهُ آخِرُ غَيْرِ الْمَمَاسِ الْأَوَّلِ وَقَدْ مَاسَّهُ آخَرُ هَذَا خَلْفٌ. وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ جُزْءٍ مَوْضُوعٌ عَلَى جُزْأَيْنِ مُتَّصِلٍ وَغَيْرِهِ. مِنْ تَرْكِيبِ الْمُرَبَّعَاتِ مِنْهَا، لِمُسَاوَاةِ الْأَقْطَارِ وَالْأَضْلَاعِ، وَمِنْ جِهَةِ مُسَامَتَاتِ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ، دَلَائِلُ عَلَى أَنَّ الْجُزْءَ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ أَلْبَتَّةُ مُحَالِ وُجُودِهِ.
فَنَتَكَلَّمُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ فِي مَسَائِلِ هَذَا الْعِلْمِ، وَنُحْصَرُهَا فِي سِتِّ مُقَالَاتِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout