وَلَمَّا كَانَ نَوْعُ الْإِنْسَانِ مُحْتَاجًا إلَى اجْتِمَاعٍ مَعَ آخَرَ مِنْ بَنِي جِنْسِهِ فِي إقَامَةِ مَعَاشِهِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِمُعَادِهِ؛ وَذَلِكَ الِاجْتِمَاعُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَكْلٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّمَانُعُ وَالتَّعَاوُنُ حَتَّى يَحْفَظَ بِالتَّمَانُعِ مَا هُوَ أَهْلُهُ، وَيَحْصُلُ بِالتَّعَاوُنِ مَا لَيْسَ لَهُ؛ فُصُورَةُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ هِيَ الْمِلَّةُ، وَالطَّرِيقُ الْخَاصُّ الَّذِي يُوصِلُ إلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ هُوَ الْمِنْهَاجُ، وَالشُّرْعَةُ، وَالسُّنَّةُ: وَالِاتِّفَاقُ عَلَى تِلْكَ السُّنَّةِ هِيَ الْجَمَاعَةُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١.
ولن يُتَصَوِّرُ وَضَعُ الْمُلَّةَ، وَشَرَعَ الشُّرْعَةِ إِلَّا بِوَاضِعٍ شَارِعٍ يَكُونُ مَخْصُوصًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِآيَاتٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَرُبَّمَا تَكُونُ الْآيَةُ مُضْمَّنَةً فِي نَفْسِ الدَّعْوَى، وَقَدْ تَكُونُ مُلَازَمَةً وَرُبَّمَا تَكُونُ مُتَأَخِّرَةً.
ثُم اعْلَمْ أَنَّ الْمِلَّةَ الْكُبْرَى هِيَ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةُ الَّتِي تُقَابِلُ الصُّبْوَةَ٢ تُقَابَلُ التَّضَادَّ، وَسَنَذْكُرُ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣.
والشرِيعَةُ ابْتَدَأْتُ مَنْ نُوحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ٤ وَالْحُدُودُ وَالْأَحْكَامُ ابْتَدَأَتُ مِنْ آدَمَ، وَشَيْثٍ، وَإِدْرِيسُ عَلَيْهِمْ السَّلَاَمُ، وَخَتَمْتُ الشَّرَائِعُ وَالْمِلَلُ وَالْمُنَاهِجُ وَالسُّنَنُ بِأَكْمَلِهَا وَأَتَمَّهَا حَسَنًا وَجِمَالًا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٥.
وقد قيل: خَصَّ آدَمَ بِالأَسْمَاءِ، وَخَصَّ نُوحٍ بِمَعَانِي تِلْكَ الْأَسْمَاءِ، وَخَصَّ إِبْرَاهِيمُ
1 المائدة آية ٤٨. ٢ الصبوة: المراد بها هنا الميل عن الحق. ٣ الحج آية ٧٨. ٤ الشورى آية ١٣. ٥ المائدة آية ٣.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout