قَالَ: وَلِهَذَا الْمَعْنَى ائْتَلَفَتْ الْمَزْدُوجَاتُ بَعْضَهَا بِبَعْضِ نَوْعًا بِنَوْعٍ، وَصِنْفًا بِصِنْفٍ، وَاخْتَلَفَتْ الْمُتَضَادَاتُ فَتَنَافِرُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضِ نَوْعًا عَنْ نَوْعٍ، وَصِنْفًا عَنْ صِنْفٍ.
فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الِائْتِلَافِ وَالْمَحَبَّةِ فَمِنْ الرُّوحَانِيَّاتِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالْغَلَبَةِ فَمِنْ الْجِسْمَانِيَّاتِ، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِإِضَافَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
وَرُبَّمَا أَضَافَ الْمَحَبَّةَ إلَى الْمُشْتَرِي وَالزُّهْرَةِ، وَالْغَلَبَةِ إلَى زَحْلٍ وَالْمَرِيخُ، فَكَأَنَّهُمَا تَشَخَّصَتَا بِالسَّعْدَيْنِ وَالنَّحْسَيْنَ.
وَلِكَلَامِ أَنْبَادِقَلِيسَ مُسَاقٌ آخَرَ، قَالَ: إِنَّ النَّفْسَ النَّامِيَةَ قِشَرٌ لِلنَّفْسِ الْبَهِيمِيَّةِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَالنَّفْسِ الْحَيَوَانِيَّةُ قِشْرٌ لِلنَّفْسِ الْمُنْطَقِيَّةِ، وَالْمَنْطَقِيَّةِ قِشْرٌ لِلْعَقْلِيَّةِ، وَكُلُّ مَا هُوَ أَسْفَلُ فَهُوَ قِشْرٌ لِمَا هُوَ أَعْلَى، وَالْأَعْلَى لَبَّهِ. وَرُبَّمَا يُعَبِّرُ عَنْ الْقَشْرِ وَاللَّبِّ بِالْجَسَدِ وَالرُّوحِ، فَيُجْعَلُ النَّفْسُ النَّامِيَةَ جَسَدًا لِلنَّفْسِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَهَذِهِ رُوحًا لَهَا، وَعَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْعَقْلِ.
وَقَالَ: لَمَّا صَوَّرَ الْعِنْصَرِ الْأَوَّلُ فِي الْعَقْلِ مَا عِنْدَهُ مِنْ الصُّوَرِ الْمَعْقُولَةِ الرُّوحَانِيَّةِ، وَصُوَرُ الْعَقْلِ فِي النَّفْسِ مَا اسْتَفَادَ مِنْ الْعُنْصَرِ، صُوَّرَتْ النَّفْسَ الْكُلِّيَّةُ فِي الطَّبِيعَةِ الْكُلِّيَّةِ مَا اسْتَفَادَتْ مِنْ الْعَقْلِ، فَحَصَلَتْ قُشُورٌ فِي الطَّبِيعَةِ لَا تُشْبِهُهَا، وَلَا هِيَ شَبِيهَةٌ بِالْعَقْلِ الرُّوحَانِيِّ اللَّطِيفِ. فَلَمَّا نَظَرَ الْعَقْلُ إلَيْهَا وَأَبْصَرَ الْأَرْوَاحَ وَاللُّبُوبَ فِي الْأَجْسَامِ وَالْقُشُورِ: سَاحَ عَلَيْهَا مِنْ الصُّوَرِ الْحَسَنَةِ الشَّرِيفَةِ الْبَهِيَّةُ، وَهِيَ صُوَرُ النُّفُوسِ الْمُشَاكَلَةِ لِلصُّوَرِ الْعَقْلِيَّةِ اللَّطِيفَةِ الرُّوحَانِيَّةِ حَتَّى يُدِيرَهَا وَيَتَصَرَّفَ فِيهَا بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقُشُورِ وَاللُّبُوبِ، فَيَصْعَدُ بِاللُّبُوبِ إلَى عَالِمِهَا، فَكَانَتْ النُّفُوسُ الْجُزْئِيَّةُ أَجْزَاءً لِلنَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ كَأَجْزَاءِ الشَّمْسِ الْمُشْرِقَةِ عَلَى مَنَافِذِ الْبَيْتِ، وَالطَّبِيعَةِ الْكُلِّيَّةِ مَعْلُولَةٌ لِلنَّفْسِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْجُزْءِ وَبَيْنَ الطَّبِيعَةِ، فَالْجُزْءُ غَيْرُ الْمَعْلُولِ.
ثمَّ قَالَ: وَخَاصِيَةُ النَّفْسِ الْكُلِّيَّةُ: الْمَحَبَّةُ، لِأَنَّهَا لَمَّا نَظَرَتْ إلَى الْعَقْلِ وَحُسَّنَهِ وَبَهَائِهِ أَحَبَّتَهُ حُبٌّ وَامِقً١ عَاشِقٌ لِمَعْشُوقِهِ، فَطَلَبَتْ الِاتِّحَادُ بِهِ وَتَحَرَّكَتْ نَحْوَهُ.
1 الوامق: المحب.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout