الْمَبْدَأُ الْأَوَّلَ. قَالَ إنَّ مَبْدَأَ الْمَوْجُودَاتِ هُوَ جِسْمٌ أَوَّلِ مُتَشَابِهِ الْأَجْزَاءَ، وَهِيَ أَجْزَاءٌ لَطِيفَةٍ لَا يُدْرِكُهَا الْحِسُّ، وَلَا يَنَالُهَا الْعَقْلُ، مِنْهَا كَوْنُ الْكَوْنِ كُلِّهِ الْعَلَوِيُّ مِنْهُ وَالسُّفْلِيُّ، لِأَنَّ الْمُرَكَّبَاتِ مَسْبُوقَةٌ بِالْبَسَائِطِ، وَالْمُخْتَلِفَاتِ أَيْضًا مَسْبُوقَةٌ بِالْمُتَشَابِهَاتِ. أَلَيْسَتْ الْمُرَكَّبَاتُ كُلُّهَا إنَّمَا امْتَزَجَتْ وَتَرَكَّبَتْ مِنْ الْعَنَاصِرِ، وَهِيَ بِسَائِطِ مُتَشَابِهَةِ الْأَجْزَاءِ؟ وَأَلَيْسَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَكُلُّ مَا يَغْتَذِي فَإِنَّمَا يَتَغَذَّى مِنْ أَجْزَاءِ مُتَشَابِهَةٍ أَوْ غَيْرِ مُتَشَابِهَةٍ، فَتَجْتَمِعُ فِي الْمَعِدَةِ فَتَصِيرُ مُتَشَابِهَةً، ثُمَّ تَجْرِي فِي الْعُرُوقِ وَالشَّرَايَيْنَ، فَتَسْتَحِيلُ أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ مِثْلِ الدَّمِ وَاللَّحْمِ وَالْعَظْمِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ وَافَقَ سَائِرَ الْحُكَمَاءِ فِي الْمَبْدَأِ الْأَوَّلَ: إنَّهُ الْعَقْلُ الْفِعَالَ. غَيْرَ أَنَّهُ خَالَفَهُمْ فِي قَوْلِهِ إنَّ الْأَوَّلَ الْحَقُّ تَعَالَى سَاكِنٌ غَيْرَ مُتَحَرِّكٍ. وَسَنَشْرِحُ الْقَوْلُ فِي السُّكُونِ وَالْحَرَكَةِ لَهُ تَعَالَى، وَنُبَيِّنُ اصْطِلَاحِهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَحَكَى فَرَفُورِيوسُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ جِسْمٌ وَاحِدٌ مَوْضُوعُ الْكُلِّ، لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا ذَلِكَ الْجِسْمُ أَهُوَ مِنْ الْعَنَاصِرِ؟ أَمْ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَمِنْهُ تَخْرُجُ جَمِيعَ الْأَجْسَامِ وَالْقُوَّةِ الْجِسْمَانِيَّةِ وَالْأَنْوَاعِ وَالْأَصْنَافِ.
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِالْكَمُونِ وَالظُّهُورِ، حَيْثُ قَدْرَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا كَامِنَةً فِي الْجِسْمِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا الْوُجُودُ ظُهُورُهَا مِنْ ذَلِكَ الْجِسْمِ نَوْعًا وَصِنْفًا وَمِقْدَارًا وَشَكْلًا وَتَكَاثَفَا وَتَخَلَّخُلًا، كَمَا تَظْهَرُ السَّنْبُلَةُ مِنْ الْحَبَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَالنَّخْلَةِ الْبَاسِقَةِ مِنْ النَّوَاةِ الصَّغِيرَةِ، وَالْإِنْسَانُ الْكَامِلُ الصُّورَةُ مِنْ النُّطْفَةِ الْمُهَيَّنَةِ، وَالطَّيْرِ مِنْ الْبَيْضِ، فَكُلُّ ذَلِكَ ظُهُورٌ عَنْ كَمُونٍ، وَفَعَلَ عَنْ قُوَّةٍ، وَصُورَةٍ عَنْ اسْتِعْدَادِ مَادَّةٍ. وَإِنَّمَا الْإِبْدَاعُ وَاحِدٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوَى ذَلِكَ الْجِسْمِ الْأَوَّلَ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَانَتْ الْأَشْيَاءُ سَاكِنَةً، ثُمَّ إنَّ الْعَقْلَ رَتَّبَهَا تَرْتِيبًا عَلَى أَحْسَنِ نَظَامً، فَوَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا مِنْ عَالٍ وَمَنْ سَافَلَ وَمَنْ مُتَوَسِّطٍ، ثُمَّ مِنْ مُتَحَرِّكٍ، وَمَنْ سَاكِنَ، وَمِنْ مُسْتَقِيمٍ فِي الْحَرَكَةِ، وَمِنْ دَائِرَ، وَمِنْ أَفْلَاكٍ مُتَحَرِّكَةٍ عَلَى الدَّورَانِ،
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout