وَأَنَّ الْمُنَاهِجَ التَّقْدِيرِيَّةُ هِيَ الْأَقْدَمُ، ثُمَّ الْمَسَالِكُ الْخَلْقِيَّةُ وَالسُّنَنُ الطَّبِيعِيَّةُ تَوَجَّهَتْ إلَيْنَا. وَلِلَّهِ تَعَالَى سَنَتَانِ فِي خَلْقِهِ وَأَمَرَهُ، وَالسُّنَّةُ الْأَمْرِيَّةِ اقْدَمْ وَأَسْبَقُ مِنْ السُّنَةِ الْخَلْقِيَّةِ. وَقَدْ أَطْلَعَ خَوَاصُّ عِبَادِهِ مِنْ الْبَشَرِ عَلَى السَّنَتَيْنِ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ١ هذا مِنْ جِهَةِ الْخُلْقِ، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٢ هَذا مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ.
فَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مُتَوَسِّطُونَ فِي تَقْرِيرِ سَنَةِ الْأَمْرِ. وَالْمَلَائِكَةِ مُتَوَسِّطُونَ فِي تَقْرِيرِ سَنَةِ الْخُلْقِ. وَالْأَمْرِ أَشْرَفُ مِنْ الْخُلْقِ، فَمُتَوَسِّطُ الْأَمْرُ أَشْرَفُ مِنْ مُتَوَسِّطِ الْخُلْقِ، فَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ.
وَهَذَا عَجَبٌ حَيْثُ صَارَتْ الرُّوحَانِيَّاتُ الْأَمْرِيَّةُ مُتَوَسِّطَاتٌ فِي الْخُلْقِ، وَصَارَتْ الْأَشْخَاصُ الْخَلْقِيَّةُ مُتَوَسِّطِينَ فِي الْأَمْرِ، لِيَعْلَمَ إنَّ الشَّرْفَ وَالْكَمَالَ فِي التَّرْكِيبِ لَا فِي الْبِسَاطَةِ، وَالْيَدِ لِلْجُسَمَائِيِّ لَا لِلرُّوحَانِيِّ، وَالتَّوَجُّهِ إلَى التُّرَابِ أَوْلَى مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى السَّمَاءِ، وَالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْضَلُ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّقْدِيسِ.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْكَمَالَ فِي إثْبَاتِ الرِّجَالِ، لَا فِي تَعْيِينِ الْهَيَاكِلِ وَالظِّلَالِ، وَانْهُمْ هُمْ الْآخَرُونَ وُجُودًا، السَّابِقُونَ فَضْلًا، وَأَنَّ آخِرَ الْعَمَلِ أَوَّلَ الْفِكْرَةِ، وَأَنَّ الْفِطْرَةَ لِمَنْ لَهُ الْحُجَّةَ. وَأَنَّ الْمَخْلُوقَ بِيَدَيْهِ لَا يَكُونُ كَالْمُكُونِ بِحَرْفَيْهِ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: "فَوَعِزْتِي وَجَلَّالِي، لَا أَجْعَلُ مِنْ خِلْقَتِهِ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْت لَهُ كُنْ فَكَانَ" ٣.
قالت الصابِئة:
الرُّوحَانِيَاتُ مُبَادِئُ الْمَوْجُودَاتِ وَعَالَمُهَا مُعَادُ الْأَرْوَاحِ. وَالْمَبَادِئُ أَشْرَفُ ذَاتًا، وَأَسْبَقَ وُجُودًا، وَأَعْلَى رُتْبَةً وَدَرَجَةٍ مِنْ سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ بِتَوَسُّطِهَا. وَكَذَلِكَ عَالِمُهَا، عَالِمُ الْمُعَادَ، وَالْمُعَادُ كَمَالً، فَعَالَمُهَا عَالِمُ الْكَمَالِ.
1 ١، ٢ فاطر آية ٤٢ والتلاوة -فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولم تجد لسنة الله تحويلا-. ٣ من الأحاديث القدسية.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout