أَصْحَابُ نُسْطُورُ الْحَكِيمِ الَّذِي ظَهَرَ فِي زَمَانِ الْمَأْمُونِ، وَتَصَرَّفَ فِي الْأَنَاجِيلِ بِحُكْمِ رَأْيِهِ. وَإِضَافَتِهِ إلَيْهِمْ إضَافَةُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى هَذِهِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ، ذُو أَقَانِيمَ ثَلَاثَةً: الْوُجُودِ، وَالْعِلْمُ، وَالْحَيَاةُ. وَهَذِهِ الْأَقَانِيمُ لَيْسَتْ زَائِدَةً عَلَى الذَّاتِ، وَلَا هِيَ هُوَ. وَاتَّحَدَتْ الْكَلِمَةُ بِجَسَدِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا عَلَى طَرِيقِ الِامْتِزَاجِ كَمَا قَالَتْ الْمُلْكَانِيَّةُ، وَلَا عَلَى طَرِيقِ الظُّهُورِ بِهِ كَمَا قَالَتْ الْيَعْقُوبِيَّةُ، وَلَكِنْ كَإِشْرَاقِ الشَّمْسِ فِي كُوَّةٍ عَلَى بُلُورَةٍ. وَكَظُهُورِ النَّقْشِ فِي الشَّمْعِ إذَا طُبِعَ بِالْخَاتِمِ.
وَأَشْبَهَ الْمَذَاهِبَ بِمَذْهَبِ نَسْطُورٍ فِي الْأَقَانِيمِ: أَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ خَوَاصٌّ مُخْتَلِفَةٌ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَاحِدٌ، يَعْنِي الْإِلَهَ. قَالَ هُوَ وَاحِدٌ بِالْجَوْهَرِ، أَيْ لَيْسَ هُوَ مُرَكَّبًا مِنْ جِنْسَيْنِ بَلْ هُوَ بَسِيطٌ وَوَاحِدٍ. وَيَعْنَى بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ أَقْنُومِيْنِ جَوْهَرَيْنِ، أَيْ أَصْلَيْنِ مَبْدَأَيْنَ لِلْعَالِمِ. ثُمَّ فَسَّرَ الْعِلْمُ بِالنُّطْقِ، وَالْكَلِمَةِ. وَيَرْجِعُ مُنْتَهَى كَلَامِهِ إلَى إثْبَاتِ كَوْنِهِ تَعَالَى مَوْجُودًا، حَيًّا، نَاطِقًا كَمَا تَقُولُ الْفَلَاسِفَةُ فِي حَدِّ الْإِنْسَانِ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي تَتَغَايَرُ فِي الْإِنْسَانِ لِكَوْنِهِ جَوْهَرًا مُرْكِبًا، وَهُوَ جَوْهَرٌ بَسِيطٍ غَيْرِ مُرْكَبٍ.
وَبَعْضُهُمْ يَثْبُتُ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَاتٌ أُخَّرَ بِمَنْزِلَةِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَنَحْوِهِمَا. وَلَمْ يَجْعَلُوهَا أَقَانِيمُ كَمَا جَعَلُوا الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ أَقَنُومِينَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ: حَيًّ، نَاطِقَ، إلَهَ. وَزَعَمَ الْبَاقُونَ أَنَّ اسْمَ الْإِلَهِ لَا يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقَانِيمِ.
وَزَعَمُوا أَنَّ الِابْنَ لَمْ يَزَلْ مُتَوَلِّدًا مِنْ الْآبِ، وَإِنَّمَا تَجْسُدُ وَاتَّحَدَ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ حِينَ وَلَدَ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout