"هَذِهِ قِسْمَةُ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى". وَذَلِكَ خُرُوجٌ صَرِيحٌ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَوْ صَارَ مَنْ اعْتُرِضَ عَلَى الْإِمَامِ الْحَقِّ خَارِجِيًّا، فَمَنْ اعْتُرَضَ عَلَى الرَّسُولِ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ خَارِجِيًّا. أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ قَوْلًا بِتَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ؟ وَحُكْمًا بِالْهَوَى فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَاسْتِكْبَارًا عَلَى الْأَمْرِ بِقِيَاسِ الْعَقْلِ؟ حَتَّى قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ ١ هَذَا الرَّجُلُ قَوْمٌ يَمْرِقُونَ ٢ مِنْ الدَّيْنِ كَمَا يَمْرِقُ السَّهْمَ مِنْ الرَّمْيَّةِ ... " الْخَبَرُ بِتَمَامِهِ.
وَاعْتُبِرَ حَالَ طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَ أَحُدٍ إذْ قَالُوا: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ وقَولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٤ وقَوْلهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ٥ فَهَلْ ذَلِكَ إِلَّاَّ تَصْرِيحٌ بِالْقَدْرِ؟ وَقَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٦ وقَوْلُ طَائِفَةُ: ﴿أََنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ ٧ فَهل هَذَا إِلاَّ تَصْرِيحٌ بِالْجَبْرِ؟
وَاعْتُبِرَ حَالَ طَائِفَةٍ أُخْرَى حَيْثُ جَادِلُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ، تَفَكَّرًا فِي جَلاَلِهِ، وَتَصَرُّفًا فِي أَفْعَالِهِ حَتَّى مَنَعَهُمْ وَخَوْفَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ُوََيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ ٨ فَهَذَا مَا كَانَ فِي زَمَانِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ عَلَى شَوْكَتِهِ وَقُوَّتِهِ وَصِحَّةِ بَدَنِهِ. وَالْمُنَافِقُونَ يُخَادِعُونَ فَيَظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ نِفَاقُهُمْ بِالِاعْتِرَاضِ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، فَصَارَتْ الِاعْتِرَاضَاتُ كَالْبُذُورِ، وَظَهَرَتْ مِنْهَا الشُّبُهَاتُ كَالزُّرُوعِ.
وَأَمَّا الِاخْتِلَافَاتُ الْوَاقِعَةُ فِي حَالِ مَرَضِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَهِيَ اخْتِلَافَاتٌ اجْتِهَادِيَّةٌ كَمَا قِيلَ، كَانَ غَرَضُهُمْ مِنْهَا إقَامَةُ مَرَاسِمِ الشَّرْعِ، وَإِدَامَةُ مَنَاهِجِ الدِّينِ.
1 الضئضئ: الجنس، والأصل، والمحتد، يقال: فلان من ضئضئ صدق: أي من محتد صدق. ٢ يمرق من الدين: يخرج منه. ٣، ٤، ٥ آل عمران آية ١٥٤، ١٥٦. ٦ النحل آية ٣٥. ٧ يس آية ٤٧. ٨ الرعد آية ١٣، ومعنى المحال القوة والأخذ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout