وَلَعَلَّ أَصْدَقَ الْأَقْوَالَ أَنَّهُ وَلَدُ سَنَةٍ ٤٧٩هـ وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةً ٥٤٨هـ المُوَافِق ١١٥٣م، وَبِذَلِكَ يَكُونُ قَدْ عَاشَ ٧٠ سَنَةً.
وَالشَّهُرُسْتَانِيُّ مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ شَافِعِي، وَمِنْ حَيْثُ الْأُصُولُ أَشْعَرِي. وَقَدْ تَلَقَّى الْفِقْهُ عَلَى شَيْخِهِ "أَحْمَدَ الْخَوَافِيُّ" قَاضِي طُوسً، وَزَمِيلُ الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ. وَقَرَأَ الْأُصُولُ عَلَى "أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيِّ" الَّذِي كَانَ مُتَكَلِّمًا وَشَيْخًا مُتَصَوِّفًا وَمُفَسِرًا وَأُصُولِيًّا. وَسَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى "أَبِي الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيِّ" الْإِمَامُ التَّقِيُّ.
وَكَانَ الشَّهُرَسْتَانِيُّ مُوْلَّعًا بِطَلَبِ الْعِلْمِ، بَدَأَ نُبُوغِهِ فِي تَحْصِيلِ الْعُلُومِ وَشَغْفِهِ بِالدُّرُوسِ مُنْذُ صِغَرِهُ، وَكَانَ لَا يَدَّخُرُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَسْعًا، فَكَانَ يَطُوفُ بِالْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي عَصْرِهِ يَتَعَلَّمُ وَيُعْلَمُ، وَظَلَّ ذَلِكَ حَالُهُ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ الْعُمْرِ ثَلَاثِينَ عَامًّا قَصَدَ مَكَّةَ الْمُكَرِمَةِ لِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، وَبَعْدَ ذَلِكَ سَافَرَ إلَى بَغْدَادَ حَيْثُ اسْتَقَرَّ بِهَا ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ كَانَتْ حَافِلَةً بِمَا أَلْقَاهُ مِنْ دُرُوسِ نَافِعَةٍ بِالْمَدْرَسَةِ "النَّظَامِيَّةِ" أَعْلَى الْمَدَارِسِ بِبَغْدَادَ، حَيْثُ يَلْتَفُ حَوْلُهُ كِبَارَ الْعُلَمَاءِ لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ.
وَبَلَغَ مِنْ جَلَالِ مَجَالِسِهِ الْعِلْمِيَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْجُلُ وَتَدُوَّنَ، وَذَلِكَ لِعُمْقِهَا. وَمِنْ صَفْوَةِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْضُرُونَ هَذِهِ الْمَجَالِسَ: أَبُو الْحَسَنِ بْنُ حَمُوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَمُوَفَّقُ الدَّيْنِ أَحْمَدُ اللَّيْثِيُّ، وَشِهَابُ الدِّينِ الْوَاعِظِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ.
وَخُلَاصَةِ الْقَوْلِ أَنَّ الشَّهْرَسْتَانِيَّ وَصَلَ إلَى قِمَّةِ السَّلَمِ الْعِلْمِيِّ وَأَرْبَى عَلَيْهَا، فَقَدْ لَقَبَ بِالْإِمَامِ، بَلْ بِالْإِمَامِ الْأَفْضَلِ. يَقُولُ ابْنُ السُّبْكِيِّ:
"وَكَان لِعِلْمِهِ يَلْقِبُ أَيْضًا بِالْأَفْضَلِ: بَرْعَ فِي الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَالْكَلَامِ" وَيَقُولُ عَنْهُ ابْنُ تُغْرَى بَرْدِيٌّ: "كَان إمَامُ عَصْرِهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، عَالِمًا بِفُنُونٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْعُلُومِ، وَبِهِ تَخْرُجُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ". وَيَقُولُ عَنْهُ يَاقُوتُ إنَّهُ "الْمُتَكَلِّمُ الْفَيْلَسُوفُ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout