فِيهِ فِي الْحَادِثَةِ، كَمَا يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ:
الْوَقْفُ عَنِ القطع بشيء من ذلك، زعم الصيرفي في "شرح الرسالة" أنه مذهب الإمام الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ حَكَى الْأَقْوَالَ وَلَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا مِنْهَا.
وَاخْتَارَ هَذَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، والغزالي.
ولا وجه للوقف في هذه الْمَسْأَلَةِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُقُوعِ، عَلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةً وَاضِحَةً ظَاهِرَةً قَوْلُ اللَّهِ عز وجل: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ﴾ ١ فَعَاتَبَهُ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ لَمْ يُعَاتِبْهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا صح عنه صلى الله عليه وسلم، مِنْ قَوْلِهِ: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقت الْهَدْيَ" ٢ أَيْ: لَوْ عَلِمْتُ أَوَّلًا مَا عَلِمْتُ آخِرًا مَا فَعَلْتُ، ذَلِكَ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَكُونُ فِيمَا عَمِلَهُ صلى الله عليه وسلم بِالْوَحْيِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، كَمُعَاتَبَتِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَخْذِ الْفِدَاءِ مِنْ أَسْرَى بَدْرٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ٣. وكما في معاتبته صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ ٤ إلى آخر ما قصه الله من ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ.
وَالِاسْتِيفَاءُ لِمِثْلِ هَذَا يفضي إلى بسط طويل، وفيما ذكرنا يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يأتِ الْمَانِعُونَ بِحُجَّةٍ تستحق المنع، أو التوقف لأجلها.
1 جزء من الآية ٤٣ من سورة التوبة. ٢ أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ١٦٥١ مسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع ١٢١١. أبو يعلى في مسنده بلفظ: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ولكني سقت الهدي وقرنت الحج والعمرة" ٤٣٤٥. أحمد في مسنده ٣/ ٢٦٦. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب الحج، باب في القرآن وغيره وحجة النبي صلى الله عليه وسلم ٥٤٤٢.وأخرجه الشافعي في الأم بنفس اللفظ ٢/ ١٢٧ كتاب الحج. وذكره المزني في مختصره، كتاب الحج ١/ ٦٣-٦٤. ٣ جزء من الآية من سورة الأنفال. ٤ جزء من الآية ٣٧ من سورة الأحزاب. والآية نزلت في سيدنا زيد بن حارثة والسيدة زينب بنت جحش رضي الله عنهما عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتزوج من زينب بعد أن يطلقها زيد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه فقال الناس: تزوج حليلة ابنه، وحصلت فيها قصة مشهورة انظرها في تفسير القرطبي ١٤/ ١٨٨ وابن كثير ٣/ ٤٩٨.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout